نقل العمال الزراعيين بسوس: حكايات صادمة لضحايا عربات الموت

سوس بلوس
أخبار المجتمعالرئيسية
20 يونيو 2012
نقل العمال الزراعيين بسوس: حكايات صادمة لضحايا عربات الموت

كان اللقاء بهم على هامش إحدى وقفات العمال الزراعيين الاحتجاجية المطالبة بالإنصاف، هم مجموعة من العاملات والعمال الزراعيين معطوبي، وجرحى، ضحايا حوادث السير الهوجاء التي تقع في الطريق بين الموقف و«الفيرمة»، هناك كذلك قتلى تركوا يتامى يتذكرهم زملاؤهم، وأقرباؤهم في هذا الروبورطاج الذي يرصد عينة صغيرة، ممن كتب أن يكون اللقاء بهم.

منهم من بترت رجله، أو أحد أطرافه، التي يعتمد عليها في تدبير قوت يومه، في غياب حماية اجتماعية أو متابعة صحية، على اعتبار أن جل الضحايا في الغالب مجرد «مواقفية» أو عمال مناسباتيين، لا تشملهم قوانين الشغل التي أنزلت بهذا البلد في إطار مدونة الشغل.

أشهبون: حادثة أفقدته السمع
بالكاد يستطيع سيدي محمد أشهبون أن يلتقط الإشارات ويستوعب المراد من الحديث، هكذا صار ديدنه في التواصل نتيجة فقدان إمكانية كبيرة للسمع بأذنيه فلا يفهم ما يقال له إلا بعد أن يشاهد حركات الطرف الآخر. من أجل الحديث لاذ محمد أشهبون إلى ظل شجرة، فعمره 47 عاما، لكن يبدو أنه تجاوز سنه بسنوات إضافية، يروي هذا العامل الزراعي تفاصيل ذلك الحادث المفجع الذي ألحق به ضررا يصفه بالبالغ على مستوى إحدى أهم حواسه الحيوية، حينما انقلبت الشاحنة مستهل شهر أبريل من 2009، لم يتذكر كيف حدث الأمر إلى أن وجد نفسه رفقة زملائه داخل غرفة الإنعاش بالمركز الاستشفائي الحسن الثاني بأكادير. أزيد من أربعين عاملا وعاملة نجوا بأعجوبة إلا واحدا لم تمهله جراحه البليغة وقتا طويلا فما كان منه إلا أن أسلم الروح إلى بارئها.
«أشهبون» كان نصيبه ثماني «غرزات» على مستوى أذنيه مازالت تضاريسها مرسومة فوق جلده، فيما الآخرون توزعت إصاباتهم بين كسور ورضوض في أنحاء متعددة من أجسادهم ، الحادث الذي وقع بمحاذاة الوحدة الفلاحية التي يشتغلون بها بالمدار السقوي لأيت اعميرة . وإلى جانب هذه العاهة الخارجية البارزة، يشعر أشهبون وكأنه آلة طحين لا تتوقف عن الدوران، يسري دبيب من الإزعاج الداخلي في دماغه، لم تعفيه الإصابة من الاستمرار في السعي على القوت، لا يكاد يتوصل بتعليمات «الكابران» اليوم إلا بعد شرح تمثيلي لما يطلبه منه . يؤكد هذا العامل أن نحو عقد كامل من الزمن ظل يتنقل عبر الشاحنة ذاتها التي انقلبت في الأخير بعد انفجار إحدى عجلاتها .
الحديث مع أشهبون يكشف جانبا من التلاعب في نقل البشر، فالعربة التي تنقل وزملاؤه مجرد «بيكوب» مكتراة من قبل المشغل لنقل العاملات والعمال من وإلى الوحدات الفلاحية بالمنطقة السقوية. حالتها الميكانيكية ظلت محط تنبيهات المستخدمين، فما أن انفجرت عجلاتها حتى قذفت جانبا بالثقل البشري الزائد عن اللزوم الذي تحمله بين أحشائها وعلى جنباتها. الضحية تقدم بدعوى إلى المحكمة الابتدائية بإنزكان يشير فيها إلى أن الشركة التي كان يشتغل لديها لم تصرح بالحادثة لدى الجهات المعنية طالبا الحكم له بتعويضات ، باعتبارها حادثة شغل، وليس حادثا تم خارج الضيعة.

ضحايا السطارطير
بحكم ارتباطه اللصيق بالميدان الفلاحي يدق الحسين بولبرج ناقوس الخطر بخصوص حوادث السير بين الضيعات، بولبرج يشغل صفة كاتب جهوي للجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي يقدر عدد المصابين كل شهر بإقليم اشتوكة أيت باها وحده بأزيد من مائتي مصاب. فرغم أن الطبقة الكادحة تشتغل لدى مقاولات تنافس الأوربيين في الإنتاج مازالت تعتمد الشاحنات، والبيكوبات والجرارات في النقل يؤكد بولبرج، كما لازالت تعمد إلى كراء هذا النقل ما يجعل صاحب وسيلة النقل يتوخى السرعة ولا يلتفت إلى الحالة الميكانينكية لعربته. هذا المسؤول النقابي خلص على أن هاجس الربح السريع هو الذي يلخص عملية النقل المعتدة لنقل العاملات والعمال الزراعيين.
ضحايا هذه العلاقة التعاقدية بين المشغل ومول الكاميو أو التراكتور مكلفة راح ضحيتها عديدون من بينهم «حدو جوهري» هو الآخر غادر الحياة في هذه الحرب المستعرة، يصف أحد أقاربه مشاهد من مأساة الضحية الذي ترك ابنين وزوجة بأيت اعميرة، سائق الشاحنة المتهالكة كان يضطر إلى استعمال الأسلاك في جذب «السطارطير»، صباح ذلك اليوم المفجع تعالت أصوات المرح وأحاديث الدعابة في المكان المخطط لتكدس العمال والعاملات باتجاه الضيعة، بالقرب من النقطة المعروفة بـ «الرامبوان الخامس» في المحيط السقوي، بعد أزيد من 15 عاما من الكد والجهد بالضيعة انتهى المطاف بالهالك صريعا في مصحة اجتماعية بعدما لم تتكلل سائر المحاولات لإنقاذ روحه.
يعتبر المتحدث أن عائلة الضحية تعرضت لتيه لدى الجهات المعنية بالمؤسسة، حيث كانوا يخبرونها كل مرة بتعرض الهالك لسكتة قلبية مبعدين نازلة حادثة الشغل بواسطة العربة الناقلة وفي تفسير لاحق اعتبروها واقعة داخل الضيعة. بعد وفاته، أجبرت الظروف الجديدة أبناء الضحية على الانقطاع عن الدراسة وزوجته باتت مضطرة إلى البحث عن فرصة عمل موسمية على الأقل بالوحدات الفلاحية للمنطقة، بيد أن حادثا مفاجئا ألحق بالأم ضررا على مستوى ظهرها حينما كانت منهمكة في عملها حاملة لمواد ثقيلة في الوزن. ابناها شمرا من جانبهما   على سواعديهما مباشرة بعد مغادرة حجرات الدراسة، فالتحقا بصفوف اليد العاملة بفضاء «الموقف» في سن مبكرة بحثا عن حظ يأتي أو لايأتي لتوفير الخبز اليومي القمين بحفظ العيش.
تكومت الأم في زاوية داخل البيت وبين الفينة والأخرى تستجمع قواها بالكاد لتلتحق بعمل مؤقت لكن آلام الظهر لا تمهلها زمنا يسيرا فتعود لترتكن إلى السرير. إلى حدود الساعة لم تحصل العائلة على مستحقات لجبر الضرر وإن كانت تتردد في كل حين على الجهات المعنية وترجع بخفي حنين.

حفيظة التي لم تسلم
«حفيظة»، عاملة زراعية، أقفلت عامها الخامس بعد الأربعين، عند الحديث معها انبرت جانبا لتقليب  أولى صفحات مسيرتها العملية بإحدى كبريات الوحدات الفلاحية بالمنطقة منذ نحو 11 سنة، قبل أن تصاب فحملت جروحا بليغة مازالت أطراف جسدها تشهد عليها، وتذكر بالحادث الأليم. حينما رست عقارب الساعة على السابعة والنصف صباحا، واصلت الشاحنة المهترئة طي المسافة تحت عجلاتها في وضع تصفه بغير الباعث على الارتياح البتة وفي منعرج  بالقرب من الضيعة المقصودة انقلبت الشاحنة بعدما زاغت عن الطريق لعدم تمكن السائق من تجاوز مريح لدراجة نارية . المصابة «حفيظة» لم تتذكر ما حدث حينها مباشرة إذ ظلت فاقدة لوعيها ولم تستوعب ما يحيط بها إلا بعد أن تلقت إسعافات وعلاجات بقسم المستعجلات ، نقلت بعدها إلى المركز الاستشفائي الجهوي الحسن الثاني بأكادير، هناك مكثت ثلاثة أيام تحت العناية المركزة لتتدخل الشركة المعنية لتحويلها رفقة مصابين آخرين إلى مصحة قريبة لمواصلة العلاج، اضطرت بعدها إلى عدم القيام بأي جهد أو تحرك مدة وصلت إلى ثلاثة أشهر، جراحها حولتها إلى جسد فاقد لعناصر الحيوية والتحرك الطبيعي، فإصابتها على مستوى الظهر لاتسعفها في القيام بنشاطاتها العادية بسلاسة. أمام هذه الآلام، انتقلت «حفيظة» إلى المصحة لاستجلاء كافة التفاصيل المحيطة بطبيعة إصابتها وهي التي لم تعد حينها قادرة على العمل، غير أنها ظلت تحصد إجابات غير شافية تطلب منها معاودة المجيء لاحقا، وفي إحداها تلقت ما يفيد أنها تأخرت كثيرا. رغم أنها تقر بكون التأمين قد شملها فإنها تنفي توصلها بأي تعويض عن الحادث إلى اليوم، فقد عانت كثيرا جراء الإصابة البليغة التي ألزمتها الفراش بالبيت، فكانت لا تتمكن من النهوض والوقوف على رجليها إلا بمساعدة مباشرة من أبنائها ولم تعد قادرة حاليا حتى على الانحناء لمباشرة الأشغال اليومية للبيت.
محمد بولبرج الكاتب الجهوي للجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي، يؤكد أن مشكل النقل والتعويضات عن الضرر، وظروف نقل العاملات والعمال ظلت تتصدر واجهة مطالب النقابات، ومذكراتها المرفوعة إلى الجهات المعنية، غير أن هذا الملف على بساطته يظل وكأنه مطلب تعجيزي، كما نبه إلى حوادث أخرى غير مرئية، وهي ضحايا روائح المبيدات، فالشاحنات التي تنقل البشر، هي نفسها التي تقل المواد الكيماوية والمواد السامة إلى الضيعات، غير أن العمال لا ينتبهون إلى خطورة هذا الفعل الذي يؤدي إلى أعراض سرطانية، فالعمال لا يلتفتون لصحتهم إلا عندما يصاب عاملا بأعراض من هذا القبيل.

سائقون متهورون
حادثة مروعة وقعت يوم 19 شتنبر الماضي، راح ضحيتها عمال وعاملة، إلى جانب إصابات مختلفة الخطورة باشتوكة ايت باها، والسبب هو التهور، فسائق «البيكوب» شحن 25 عاملة وعاملا بمكان البضائع بينما أجلس بجواره صديقته المراهقة ذات 21 سنة، كان يسير بسرعة، يحادثها مستمعا لجهاز قراءة الأقراص في نفس الوقت ولم يعر تحذيرات الركاب أدنى اهتمام، فجأة توقف ليسلم المقود لخليلته، مضت في ذلك الطريق  بنفس السرعة التي يسير السائق الجالس بجوارها، رغم أنها لا تتوفر على رخصة السياقة، فجأة وفي منعرج لم تتحكم في المقود، فانقلبت السيارة عدة مرات وراح ضحيتها عامل وعاملة قضيا نحبهما، فيما نقل السائق وصديقته إلى المستشفى بعدها وضعا رهن الحراسة النظرية. هو الحادث الرابع من نوعه في نفس ذلك الأسبوع.
خلافا لما يتم الحديث عنه من استهتار بالأرواح، يرى المهنيون من جانبهم أن مجموعة من الضيعات تلتزم بقانون الشغل، وتوفر لمشغليها حقهم، على اعتبار أنهم المحرك الأساسي للإنتاج، فلا يجب اعتبار بعض الحالات نموذجا لما هو عليه القطاع، من بين هؤلاء عمر منير الناطق الرسمي بالفدرالية البيومهنية للجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي، يعتبر أن المؤسسات الفلاحية تطورت وحققت تنافسية كبيرة على المستوى الدولي وفي كل جوانب الإنتاج.
وبخصوص مشكلة النقل وما يترتب عنه من حوادث يقر عمر منير بكون المشكل يظل قائما، وأن الالتجاء للشاحنات و«البكوبات»، حاجة ضرورية تمليها ظروف المنطقة وبينتها الطرقية غير المعبدة في كثير من الأحيان، فضلا عن اقتلاع ما تم تعبيده في كثير منها. «لا يمكن للحافلة أن تتنقل بين الضيعات» يشدد المتحدث باسم الباطرونا عند السؤال حول السبب الذي يجعلهم لا يوفرون لمستخدميهم حافلات خاصة، ويرجع ذلك إلى «البنية الطرقية المتواجدة المزرية»، وناشد المتحدث وزارة النقل والتجهيز، جميع المتدخلين بأن يلتفتوا إلى هذه المناطق وتحسين بنيتها الطرقية من أجل السعي لتنميتها.
مع ذلك يؤكد عبد الله رحمون الكاتب الإقليمي للكنفدرالية الديمقراطية للشغل على أن للباطرونا نصيبا مما يقع من بين ذلك قبولهم التعامل مع وسائل نقل مهترئة بثمن زهيد، والتعامل مع أي كان للقيام بهذه المهمة الخطيرة. حقيقة يرويها كذلك «عبد الصمد عاشي» العامل النقابي بأيت اعميرة، يتذكر بمرارة تفاصيل حادثة سير تسببت فيه شاحنة كان من المفترض أن تستغل لنقل البضائع عوض أجساد بشرية تعيش على هواجسها كل صباح ومساء وهي تندب حظها في هذا الزمن الذي يجعلها يوميا على موعد مع هذه العربات الناقلة التي كان يجب أن تندثر .
ففي ذلك الصباح، كان لزاما على العمال أن يقوموا بدفع الشاحنة لأمتار حتى يتمكن السائق من تشغيل المحرك بيسر، بدا السائق متهورا وفي وضعية غير طبيعية وكأنه مصاب بهذيان، اضطر معه العامل النقابي إلى تنبيهه لاحترام حدود السرعة للوصول إلى الضيعة دون كوابح، لكن الباعث على التخوف المسبق كان له ما يبرره وانتهى المسير إلى ما لم يكن محمودا، حيث انقلبت الشاحنة التي كانت محملة بعدد كبير من العاملات والعمال الزراعيين في طريقها نحو الضيعة بعدما فقدت التوازن لتسقط أجساد الراكبين في كل مكان، حصدت جروحا متفاوتة الخطورة لكن دون وفيات لحسن الحظ. الشاحنة، بحسب المتحدث ذاته، لم تكن تتوفر على تأمين لنقل اليد العاملة، كل ما يسمح لها هو نقل البضائع وهو الأمر الذي يقول العامل النقابي، إنه تأكد فيما بعد. مطلب يؤكد عبد الله رحمون  ظلت تنبه إليه الإطارات النقابية داخل لجن الصحة والسلامة في انتظار أن يجد طريقه نحو التنزيل من لدن الوحدات الفلاحية المعنية  .
وبأولاد تايمة وقعت حادثة أخرى مأساوية  خلال السنة الماضية، بطلها سائق سيارة من نوع «بيكوب»، مخصصة أصلا لنقل البضائع، غير أن وظيفتها الجديدة حولتها إلى نقل المستخدمين الذين يعملون بضيعة، انحرفت السيارة وهي تقل 20 مستخدما أغلبهم نساء، على جادة الطريق لتنقلب عدة مرات بعدما ألقت بشحنتها البشرية في كل اتجاه، وارتطمت رؤوس مستخدمين بقوة مع الأرض. الحصيلة ثقيلة وفاة ثلاث نساء حالا بمكان الحادث، ونقل 7 آخرين حالتهم حرجة نحو مستشفى الحسن الثاني بأكادير أدخلوا غرفة الإنعاش، فيما تم توجيه العشرة المتبقين نحو مستشفى المختار السوسي بتارودانت، و المستشفى المحلي بأولاد تايمة.
يقول أحد الناجين، إن المستخدمين ظلوا ينبهون السائق من أجل تخفيض السرعة عند نقلهم إلى أن غالبه المقود فانحرف عن جادة الطريق،و انقلب مرات عديدة. مصالح الدرك الملكي التي حلت بعين المكان أرجعت الحادثة بدورها إلى السرعة وثقل الحمولة التي كانت عليها سيارة «البيكوب».
أرباب الوحدات الفلاحية في شخص ناطقها الرسمي عمر منير، ورغم هذه الحصيلة الثقيلة، اعتبر أن هذه الوسائل المستعملة أساسية من أجل إيصال المستخدمين إلى الأماكن الوعرة حيث توجد بعض الضيعات، ويضيف أن ما ينقص هذه الوسائل هو التقنين، أي أن تصبح وسيلة نقل مشروعة في هذه الظروف، وأن يتم تحسين خدماتها حتى تتحول أداة لنقل الإنسان، وتحفظ كرامته بأن تصبح داخلها مقاعد تحفظ الكرامة ، وتحمي العمال من البرد والشمس، وألا تتعدى حمولتها المعقولة، وأن يكون التأمين على الركاب بقدر عدد ما تحمله، وأن يتم زجر كل من يخالف هذه الضوابط.

 ادريس النجار/المصطفى أوغزيف

عذراً التعليقات مغلقة