البرلمان مسكين .. في حاجة إلى من ينقذه من أنياب تعض عليه بقوة

سوس بلوس
2011-11-15T02:21:51+00:00
اراء ومواقف
15 نوفمبر 2011
البرلمان مسكين .. في حاجة إلى من ينقذه من أنياب تعض عليه بقوة

بإحدى الحملات الانتخابية في المغرب في استحقاقات سابقة من تسعينيات القرن الماضي، سأل احد المرشحين من أصحاب “الشكارة” للبرلمان شيخا هرما، صادفه أثناء إحدى حملاته يجالس همومه أمام باب كوخه بأحد الدواوير العشوائية: ماذا تطلب مني أن أحقق لهذا الدوار إذا نجحت إلى مجلس النواب؟ فرد عليه الشيخ بلسان مرت عليه الكثير من التجارب في تقديم الطلبات والتعبير عن الرغبات في تغيير حاله وحال أمثاله بهذا الدوار الذي يذكّر المتأمل في تفاصيل العيش فيه بالقرون الوسطى، رد على مشروع البرلماني هذا بلسان متعب بالحديث عن الأمنيات و الطلبات مع كل من سبقوه في المرور من هنا، والذين جميعهم تغيرت أحوالهم إلا حاله هو وأمثاله، رد عليه على غير المتوقع منه و من المحيطين به من مرافقيه ممن يحترفون الهتاف له بالنجاح وسحر الناس بكلام الليل الذي يمحوه النهار أنه لا يرغب في شيء، من قبيل السكن اللائق أو ظروف عيش تليق بإنسان هذا العصر، عصر حقوق الإنسان أو الشغل لمجمل أبنائه العاطلين إذا ما نال ثقة ناخبي دواره وأصبح نائبا عنهم بالبرلمان، كل ما طلبه، وهو هادئ في مكانه هدوء الواثق من نفسه، هو أن تكون كل أيام الدوار انتخابات…قالها، وهو يدرك تماما مغزى الرسالة التي يود توجيهها إلى المرشح، هذا الأخير الذي بدوره لم يكن غبيا حتى لا يلتقط رسالة كهاته من مواطن شيخ مجرب، فرد عليه بصيغة تهكمية مشابهة: حاضر، إذا نجحت، فسيكون بحول الله هذا الموضوع في صدارة انشغالاتي لترى كل يوم ضيوفا جددا بالدوار يزورونك بنفس المكان ويوجهون لك نفس السؤال وترد عليهم أنت بنفس الجواب…
هذه الصورة على بساطتها في ذلك الوقت من العهد القديم الذي يعرف الجميع كيف كان الكثير من المرشحين يفوزون بالمقعد البرلماني، تعكس في عمقها درجة جد عالية من الوعي الجمعي ومن أناس عاديين وبسطاء بما كانت الانتخابات تمثله إذّاك، وربما حتى اليوم، في المخيال الشعبي من اقتران بالحفلات والموائد والمال الوفير، يوزعه أناس يرغبون في الجلوس على احد مقاعد المؤسسة التشريعية، تحت قبة كانت تقطر بالعسل.. هذه صورة نمطية للانتخابات، صورة حفلات موسمية، لا ينكرها إلا منافق أو أعمى لم يعد مع ما وفرته له هذه الوضعية من امتيازات و”شخير” بالبرلمان بقادر على رؤية الشمس من ثقب الغربال، مثلما لا ينكر إلا متمصلح متملق أنها كانت السبب الرئيسي وراء قرار معظم المغاربة مقاطعة الانتخابات وعدم الانشغال بما تفرزه من مؤسسات، و هو ما أنتج خصومة كبيرة مع الممارسة السياسية، خصومة لا يمكن بدون قراءتها وتقديم الحلول لإذابتها التقدم قيد أنملة بالشأن السياسي في بلادنا من اجل انجاز وتهيئ الظروف الملائمة لتحقيق العهد الجديد الذي يؤسس له الدستور الجديد الذي سجل مناسبة قوية لذهاب مع يزيد عن تسعين في المائة من الناخبين المغاربة إلى الصناديق، مناسبة اعتبرها الجميع محطة مهمة، قد تكون المدخل الطبيعي للاشتغال على موضوع المصالحة بين الشعب والسياسة، حيث بدأت تظهر بالفعل بعض الاستراتيجيات والمقاربات الموضوعية التي تحاول بشكل أوبآخر أن ترسم معابر الولوج إلى الممارسة السياسية، فكانت برامج حزبية تقدم نفسها على أنها واعدة وقادرة على قراءة انشغالات المواطن و العمل على احتوائه وجعله أكثر انشغالا بالشأن السياسي والممارسة الفعلية لمناقشة الشأن العام من داخل المؤسسات، و إعداده ليكون شريكا في إنتاج البرامج والمشاريع المجتمعية، وهي على كل حال مسؤولية وطنية، يجب أن تنخرط فيها كل القوى الحية في البلاد أحزابا وجمعيات من اجل إنتاج وعي شعبي جديد بأهمية المرحلة التي نجتازها، وعي بأهمية النجاح في توحيد الرؤى والجهود وراء مشروع التغيير الديمقراطي بشكل واقعي عقلاني يستجيب لمطالب أوسع فئات المجتمع، مثلما بدأنا نعاين تحالفات سياسية ومشاريع تحالفات تخطط للمستقبل الذي يرضي الشعب المغربي عبر برامج ورؤى معينة تجيب عن سؤال الخصام مع صناديق الاقتراع، وبدت الأمور تسير نحو حلحلة المشهد السياسي وجعله يتراخى نحو الانسجام مع تفاصيله التي أضحت أكثر ميلا إلى الوضوح بالنسبة لعامة الشعب، مثلما انفتحت آفاق تعكس الرغبة المشتركة بين مكونات الفعل الانتخابي، في إعلان الحرب على الفساد الانتخابي وتجاره الذين احترفوا التجارة في الانتخابات محولين إياها إلى مواسم يشتغل فيها المال السياسي والنصب والاحتيال والكذب وكل الطرق الماكرة من اجل سرقة أصوات الناخبين، غير انه وفي لحظة مهمة من لحظات التماهي مع هذا الواقع وبداية التقاط بعض خيوط الفهم فيه حيث بدأت مرحلة من الحوار المتقدم والمصالحة مع السياسة، ودون سابق إنذار حدث ما يشبه زلزالا صغيرا داخل هذا المشهد السياسي الجديد الآخذ في التشكل، الإعلان عن ميلاد “بناشي” عبثي أربك كثيرا منطق الفهم الطبيعي للمشهد السياسي على بعد شهر ونصف من محطة 25 نونبر، ربما لم يكن هناك من متسع للوقت ليستوعب المواطن الناخب شيئا مما جرى، إلا أن الأكيد أن مجرد البحث في خلفيات هذا الذي جرى سيترك حسرة كبيرة على واقع الحال في السياسة بالمغرب، والأكيد أيضا، أن الحدث كان بداية لفوحان بعض الروائح الكريـ…المرتبطة بأسماء ارتبطت بالمؤسسة التشريعية منذ زمن بعيد، منها من قضى ثلث قرن، ومنها من قضى أكثر من ثلث القرن بكثير، ومنها من يريد أصحابها البقاء هناك مدى الحياة، وكأن أمهات المغرب لم تلدن غيرهم ممن يصلحون للنيابة عن الشعب المغربي بالبرلمان، ومن هذا المنعرج بدأت لحكاية التغيير قراءات أخرى..عيب على هؤلاء أن يتظاهروا بعدم فهم ما يريده الشعب في عصر التغيير هذا..ستكون كارثة على السياسة والشأن العام إذا لم يعاين الشعب المغربي وجوها غيرهم تنوب عنه وتدبر شؤونه، فمجرد ظهورهم من جديد في الحملات الانتخابية سيزعزع دون شك كل مساعي إعادة بناء الثقة في الممارسة السياسية، مثلما سيعطي انطباعا خطيرا عن المؤسسة التشريعية في بلادنا ، انطباع يقول أن البرلمان ..مسكين .. وفي حاجة إلى حملة إنقاذ من أنياب تعض عليه بقوة..

عذراً التعليقات مغلقة