تضامنا مع مولاي هشام

سوس بلوس
2012-09-23T15:16:21+00:00
2012-09-23T15:18:01+00:00
اراء ومواقف
23 سبتمبر 2012
تضامنا مع مولاي هشام

1

ليس لي فيما سأكتب مصلحة خاصة أذود عنها، أو مآرب أمهد لها، أو أراهن عليها أو أتطلع إلى إدراكها. يجب أن يكون الأمر واضحا من البداية كما يقال.

وليس لي من الإلهام والحرفية الكثير، حتى أكتب عن وحول شخوص وأشخاص تأثرت بهم، أو تعرفت إليهم، أو تقاطعت مع أفكارهم، أو شاطرتهم النظر والرؤيا حول هذه القضية أو تلك.

وليس لي، فوق كل هذا وذاك، ترتيبات من نوع ما قد تشتم منها رائحة أني أعتزم، من خلال هذا النص، استهداف هذه الجهة أو تلك، بالسلطة مباشرة أو بدواليبها أو في المحيط القريب أو البعيد منها.

إني أكتب هذه السطور لأن للأمير مولاي هشام موقع خاص في نفسي، وله بقلبي محبة صادقة لم تزدد مع الأيام إلا تجذرا وعمقا :

+ فقد تسنى لي أن قرأت له العديد من المقالات باللغة الفرنسية، بمجلة لوموند دبلوماتيك الشهيرة، عن العالم العربي/الإسلامي أو عن المغرب، ووجدتها رصينة، موثقة، محكومة بمنهجية دقيقة، ومتمحورة حول أفكار جادة، أزعم صراحة أني لا أتمالك بإزائها إلا الاعتراف بأن للرجل رؤية وحلم عميقين، لا يخجل بل ولا يتهاون في الدفاع عنهما.

وأزعم أيضا أن هذه الرؤية، والأفكار المشكلة لها، هي التي تسنى لي الاطلاع عليها والتأكد منها في تسجيلات لمحاضرات ألقاها هنا أو هناك، أو بندوات كان له بها مداخلات أو تعقيبات أو تعليقات أو ما سواها.

+ وقد تسنى لي مجالسته، رفقة أصدقاء مشتركين، حيث تداولنا معا في أكثر من قضية كقضية الاستبداد والديموقراطية والانتقال الديموقراطي والإعلام وغيرها. وقد كان ينصت أكثر ما يتحدث، وعندما كان يتحدث كان يعلق بلطف، ثم يختلف بأدب، وينتقد دونما تعصب لرأي أو تمسك بموقف مسبق.

لم أكن أحس أني بإزاء حفيد لمحمد الخامس، ولا بإزاء أمير له مكانته ورمزيته المعتبرة والمقدرة داخل المنظومة، بل كنت أحس، دونما أن يعطيني هو نفسه إحساسا مصطنعا، بأني إنما بإزاء باحث وأكاديمي ورجل علم ومعرفة، لا يخجل من الاعتراف بخطئه أو الاقتناع بالرأي المخالف، كما لا يتوانى في الدفاع عن رأيه باستماتة.

+ وكان لي معه أكثر من مراسلة بالبريد الألكتروني، أو بالهاتف، لم أذكر يوما لم يخاطبني فيه ب”أهلا الدكتور” وأخاطبه ب”مولاي هشام” دون تصنع، فينساب الحديث بيننا دون تمنع يذكر. وعندما كانت مستلزمات الدنيا تلهينا، كنت أتابع أنشطته بمؤسسته العلمية بجامعة برنستون حيث يحاضر، ويزداد إدراكي بأن للرجل حقا مشروع فكري يلازمه في الحل كما في الترحال.

2

إن مناسبة ما سبق من كلام ليس الغرض منه مديح أمير اعترفت منذ البدء بأني متحيز له، وله في نفسي وقع خاص، ولا إطراء في تمجيد صفات طيبة تطبعه سلوكا وخلقا. إن مناسبة هذا الكلام إنما ربط كل ذلك بسياق الاتهام الذي وجهه له عبد الهادي خيرات، عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، والذي زعم فيه أو من خلاله أن الأمير مولاي هشام كانت له يد في نهب أموال الدولة، من خلال حصوله على قرض من بنك عمومي، دونما أن يقدم مقابل ذلك الضمانات الكافية للحصول عليه.

وقد زعم خيرات، بمحاضرة له بمدينة بني ملال، بأن “كثيرا من مؤسسات الدولة تعرضت للنهب قبل وصول حكومة التناوب… وأن لائحة الذين كانوا متورطين تضم الأمير مولاي هشام بمبلغ مالي وصل إلى أربعة مليار درهم… وإن الأمير كان يقول كلاما أحمر بالخارج، مقابل أن يتم تهريب أموال المغرب لمناطق أخرى”.

ومناسبته أيضا (مناسبة الكلام أقصد) لجوء مولاي هشام للمحكمة بغرض الإنصاف، مع تضمين ملفه لوثائق ثبوتية حول طبيعة القرض الذي حصل عليه، وكيفية تسديده بالكامل، مع الفوائد وبالمدة الزمنية المحددة.

3

قد لا يكون كل هذا مهما. لكن الأهم فيما أعتقد، إنما مبدأ لجوء مولاي هشام للقضاء، ومثوله أمام القاضي شأنه في ذلك شأن أي مواطن متضرر أو مشتكي أو له تظلما ما. والحقيقة أن سلوكا من هذا القبيل يشي بثلاثة أمور أساس:

+ فمولاي هشام بهذه النازلة، إنما يعطي النموذج الواضح والراقي بأنه مواطن كباقي المواطنين. وأن واجباته وحقوقه هي ذاتها التي يتمتع بها أي مغربي، علا شأنه أم تواضع.

قد يقول قائل بأن الشخص متشبع بالثقافة الغربية حيث يعيش. وهذا وارد. لكن المؤكد في هذه الحالة، أن سلوك الأمير لا يذكرنا بالمرة بسلوك بعض “البلطجية” الذي لجأ إليه، أو قد يلجأ له بعض “علياء القوم” من بين ظهرانينا في نوازل من هذا القبيل.

+ ومولاي هشام، وهو يقبل تحكيم القضاء إنما يعطي المثال الحي بأنه (أعني القضاء) يجب أن يكون ملجأ المظلومين بالبداية وبالمحصلة النهائية، وأن ما سوى ذلك (اللهم إلا إذا كان الصلح) هو سلوك غير حضاري وغير سليم بالمرة.

من المؤكد أن مولاي هشام يدرك أكثر من غيره أن القضاء بالمغرب لا يزال مكمن فساد ورشوة ومحسوبية وزبونية، بل ولا يزال عائقا دون تحول البلاد إلا دولة قانون ومؤسسات. لكنه يدرك بالآن معا بأن اللجوء إليه بنهاية المطاف، وعلى الرغم من كل علاته، هو الذي سيمنحه المسؤولية، ويفسح له في سبل الاستقلالية التي منحه إياها الدستور الأخير دون مواربة وبالواضح الصريح.

+ ثم إن مولاي هشام لم يأت للمحكمة للحصول على تعويض مادي معتبر، أو تدمير مستقبل شخص قد يكون قد أخطأ، أو تجاوز، أو صرح بما صرح به لاعتبارات المزايدة السياسية الصرفة. ولم يقف أمام القاضي ليبتز غريمه أو يهينه. على العكس من ذلك، فما يطلبه الأمير إنما اعتذار صريح من خصمه وتغريمه درهما رمزيا ليس إلا…أي للعبرة.

4

ليست لدي أدنى فكرة عما سيقرره القاضي في هذه النازلة. لكني أستبعد تماما أن يلجأ مولاي هشام إلى أية وسيلة للتأثير على مجريات القضية. لربما قد تأتي توجيهات ما من جهة أو جهات أخرى، لتجعل الحكم يتساوق مع حسابات ما هنا أو هناك. لكني على يقين بأنها لن تأتي بالقطع من الأمير، حتى في حالة ما أحس بأن المداولات قد تتم خارج ردهات المحكمة.

إني لا استبق هنا حكم القضاء في هذه الواقعة، لكني أزعم أن أميرا آثر الفكر والمعرفة و”العمل من الباطن”، وسكنته هواجس الديموقراطية وبناء دولة الحق والقانون، لا يمكن أن يمد يده إلى المال العام (مال الفقراء والبسطاء منا)…فما بالك أن يشير على القاضي بأصبعه، أو يثنيه عن القيام بواجبه بتجرد وباحتكام للضمير.

الرباط، 21 شتنبر 2012

عذراً التعليقات مغلقة