Ad Space
الرئيسية مجتمع كيف يعبر المغاربة عن الحب؟

كيف يعبر المغاربة عن الحب؟

كتبه كتب في 12 مايو 2013 - 12:54

تغيرت الطرائق والحب واحد. هذا هو حال المغاربة مع عاطفة الحب، إذا كانت بعض المجتمعات تسعفها اللغة ومفرداتها وحقولها الدلالية في التعبير عن الحب، فالمغاربة لهم قاموسهم الخاص في التعبير عنه سيما لفظيا، رغم صعوبة تقبل ذلك بالنسبة للعديد من الأشخاص بحكم التربية وأعراف المجتمع ومواضعاته، حيث يلتجأ البعض إلى أساليب أخرى للتعبير عنه، عبر الاهتمام بتفاصيل المحبوب الدقيقة، ومبادلته الهدايا، في مقابل فئة لا تجد أي مركب نقص في الاعتراف بحبها، وعيش تفاصيله وتذوقه في كل لحظة.

«آش كاديرو هنا؟هاد المرا آش كتجيك؟» بنبرة حازمة يسأل شرطي من الخيالة، ثنائيا بشاطئ الجديدة. الثنائي انغمس في لحظات من الحميمية البريئة، كانت نهايات الأمواج تداعب أرجلهما الحافية، ويمسك كل منهما يد الآخر، قبل أن يبادر محمد بالتربيت على كتف شريكته ومعانقتها، ويجد نفسه محاطا بشرطيين من فرقة الخيالة وهما يطلبان الإطلاع على بطائقهما الوطنية، طلبهما سرعان ما أصبح غير ذي جدوى بعد أن أخرج محمد من حافظة نقوده نسخة من عقد الزواج.

«تحيين» للحب ولغة قاصرة!

الألفة التي تجمع بين محمد وزوجته، جعلت العديد من مقربيهم يكادون يجمعون أن علاقتهم التي توجت بالزواج، تشبه إلى حد ما فترات الحماس والشوق والحب الملتهب التي تشهدها علاقات الشباب في أولها، وفي فترات الخطوبة، التي سرعان ما تختفي معالم التعبير فيها عن الحب والشوق بمجرد أن يُضرب «الكحل في البيض»، وينخرط الزوجان في متاهة الحياة الزوجية والبحث عن تأمين متطلبات الحياة. نموذج محمد وزوجته، خرق القاعدة، ومازال الثنائي يحتفظ بطقوس الأحبة. فهما يضربان المواعيد في المقهى الذي شهد ميلاد حبهما في أول لقاء وسط المدينة، مباشرة بعد أن ينتهيا من العمل، ويقومان بإرسال رسائل قصيرة لبعضهما البعض، طيلة اليوم، ويتبادلان الهدايا بمناسبة وغير مناسبة.

طقوس التعبير عن الحب الذي يتبادله محمد وزوجته، لا تكتفي عند المواعيد والغزل وتبادل الهدايا، بل يزيدها كلمات حب تنهل من معجم اللغة الفرنسية، «ma biche, ma colombe» ومن العربية المغربية «حتى قربنا نساو سمياتنا!»، يقول محمد مازحا، رغم أن العربية المغربية، يجدها محمد نوعا ما قاصرة على التعبير عن ما يخالج الأحبة من مشاعر حب.

نفس الرأي تتقاسمه كريمة، التي تعمل كإطار بنكي، التي لطالما تجد صعوبة في التعبير عن أحاسيس الحب لمن تحب بـ«الدارجة»، «حيت كتجيني صعيبة عليا بزاف، وكنحشم نقولها بيها! صعيبة بزاف!» تؤكد كريمة التي تهرب من الدارجة إلى لغة موليير، حيث ينتفي  إحساسها بالخجل، ولا تجد أي مركب نقص بتلفظ كلمات كـ «je t’aime, je t’adore …» بكل سلاسة، بالإضافة إلى كون العربية المغربية أقل مصداقية نوعا ما عن اللغات الأجنبية في التعبير عن الحب، حسب تقديرها «صعيب عليا نتيق شي حد يقول ليا كنبغيك!» تشرح كريمة، عدم ارتياحها من سماع كلمات الحب بـ«الدارجة»، التي تراها مرادفا للتلاعب بمشاعر الأنثى بصفة عامة.

اهتمام وعطور وورود تعبيرا عن الحب

إذا كان محمد وزوجته، يعبران عن بعضهما البعض، بالحنين الرومانسي إلى فترات الخطوبة واسترجاع لحظاتها، فالبعض كما هو الحال بالنسبة لسعيدة، مسؤولة تواصل، يعبر عن حبه بالاهتمام:« بالنسبة ليا الاهتمام مفتاح الحب، وأنا بطبعي إنسانة لا مبالية، قد أكون اجتماعية وأتكلم كثيرا لكني على العموم، أنسى أعياد الميلاد، أتأخر عن المواعيد، فالاهتمام هو عنوان حبي، أعبر عنه بالالتزام وتذكر كل التفاصيل الدقيقة». التعبير عن الحب بالاهتمام وتذكر التفاصيل الدقيقة لمن تحب، تشترط سعيدة أن يكون متبادلا، «فكما أحب أن يكون الحب متبادلا، فالاهتمام أيضا يجب أن يكون متبادلا». طرق التعبير على الحب عند سعيدة تتسع أيضا إلى تقديم الهدايا سيما في مناسبة عيد ميلاد حبيبها، أو بمناسبة عيد الحب أو «سان فالانتان» الذي وجد له مكانا في أجندة المغاربة، كما يؤكد ذلك حميد، بائع للورود بالمعاريف بالدار البيضاء. إذ يشهد حي المعاريف في الدار البيضاء في فترات عيد الحب رواجا تجاريا مهما، حيث يكثر الإقبال على الورود، وتشكيلاتها:« خاصة الحمراء منها، ويجري تحضيرها بناء على طلبات الزبائن، وتكون مرفقة بورقة تتضمن كلمات حب وغزل، قد تكون الزوجة أو الحبيبة لم تسمعها طيلة السنة بأكملها». أما الأسعار فتتراوح حينئذ ما بين 150 و1000 درهم باعتماد زيادات طفيفة.

أغلبية، زبائن حميد هم من الشباب، الذي يقتنون باقات صغيرة الحجم، لتقديمها إلى زوجاتهن، أو خطيباتهن، أو حبيباتهن، رغم أن البعض منهم يؤكد حميد يشعر بنوع من الخجل وهو يلج المحل، ولا يعرف مقصده ولا كيفية اختيار الباقة المناسبة، ليقوم بعض المساعدين بالمتجر بمساعدته في اختيار ما يريد حسب قدرته الشرائية وتبعا لما يريد التعبير عنه لحبيبته.

محلات بيع العطور ومستحضرات التجميل، تسجل بدورها توافد أعداد مهمة من الزبائن، بعد أن تثير انتباههم الزينة التي تضفيها المتاجر على واجهاتها، ما يدفعهم إلى تفقد المنتوجات المعروضة، قبل اقتناء ما يمكن أن يحظى بإعجاب من ستقدم لها أو له الهدية، فأغلبية زبناء محلات العطور في فترة عيد الحب هن: «من  النساء، إذ يقتنين العطور للأزواج أو الأحبة، أما الرجال فيعمدون إلى شراء تشكيلة من المستحضرات التجميلية أو العطور النسائية»، تؤكد نادية بائعة للعطور بمتجر بالمعاريف بالدار البيضاء.

فضاءات تحتضن الحب

فنون التعبير عن الحب لا تشمل فقط، ماهو مادي كالهدايا والتعبير عن الاهتمام، بل تشمل أيضا طرق التعبير عماهو حميمي، في فضاءات خاصة وعامة تحتضن الحب توابل العلاقة العاطفية التي تجمع الشباب.. يدان تشابكتان، عناق، قبل في الجبين واليدين، دون إحساس بالذنب، بل يصل الأمر إلى تبادل القبل والمداعبات بين الأحبة في الشاطئ والمقهى وفي محطات القطار والمطارات، سلوكات تلقى تفهما بين أوساط الشباب، فيما ينظر إليها من منظور قلة الحياء والجموح بالنسبة لعموم المجمتع، أما القانون فيراها تحريضا على الفساد، كما تحكي سمية، وهي في العشرينات من العمر، فعندما كانت تتجول رفقة حبيبها على متن السيارة بـمنطقة «لافاليز» بالمحمدية التي تشكل قبلة للعشاق والأحبة للظفر بلحظات من الحميمية المفقودة، عكر صفو تلك اللحظة دورية أمنية، كانت تجوب المكان، وقامت بمحاصرة سمية وصديقها داخل السيارة، وطلب أوراقها، شكوك الأمن حركتها وضعية سمية التي كانت مستلقية على صدر صديقها، وهم ينصتان بإمعان لهدير الأمواج، قبل أن يعكر صفو هذه اللحظات الأمن، بعد أن اتهمها بالتحريض على الفساد وأمرهما بمرافقتهم إلى الدائرة. تهمة لم يسلم منها العاشقان إلا بعد أن ربط صديق سمية الاتصال بأحد أقربائه النافذين بالدرك الملكي، الذي توسط لديهم لدى الأمن هاتفيا، وطرد من الأمنيين فكرة اصطحابهما للتحقيق في هويتهما.

ليست وحدها تهمة التحريض على الفساد، تتربص بالمحبين وتقف حائلا في تعبيرهم عن ما يجيش بأفئدتهم من حب، بل جلسة بريئة بالجامعة أو المكتبة أو غيرها من المرافق العمومية قد تجلب للاثنين مشاكل لا حصر لها.

يتذكر عمر وهو محام، كيف تحولت جلسة بريئة في مقصف كلية الاقتصاد العلوم القانونية بالمحمدية سنة 2000، مع حبيبته آنذاك وزوجته حاليا، إلى حصة من الوعظ والارشاد من طلبة ينتمون إلى اتحاد طلبة المغرب، والتحذير من كون الاختلاط حرام، وأنهما في خلوة غير شرعية لأنها أجنبية عنه، لا لشيء لأنهما كانا مستغرقين في الضحك وكل منهما يمسك يد الآخر.

العنف لغة للتعبير عن لحب!

في الأزقة والشوارع الخلية أو المظلمة، وحتى في الأماكن العامة، قد تتعالى أصواتهم إيذانا بوجودهم حيث يمكن أن تتطور الأمور إلى مشاحنات يتخللها الضرب تكون غالبا المرأة ضحيته، وتنال قسطا من التعنيف على مرأى ومسمع من المارة. لا أحد يتدخل لتخليص المرأة أو الفتاة من الضرب الذي يكون بطله الحبيب أو الصديق بل والزوج في أحايين كثيرة، سلوكات تقابل بالاستغراب والاستهجان والتشفي أحيانا لدى المارة، في حين يبعث ذلك على الشفقة في نفوس البعض سيما النساء، ويحاولن التدخل بخيط أبيض لدى الثنائي المختصم، وإنهاء سيل الضرب والإهانات على جسد المرأة، فيما يكتفي البعض بالحياد السلبي وقليل من التشفي «راهيا لي باغاه دبر راسها منها ليه»، رأي يميل إليه عصام شاب في الثلاثينيات من العمر طالما كان شاهدا على مثل هذه المشاهد بين العشاق في المقهى و«راس الدرب»، وحتى الشاطئ والكورنيش، فطرق التعبير عن الحب قد تكون بالعنف أحيانا حينا تستبد مشاعر الغيرة بأحد الطرفين ربما.

يحكي عصام، هو يحيل على حادثة بشارع الزيراوي بالبيضاء، عن ثنائي شاب شرعا في لوم بعضهما، وتبادل اللوم والسب والشتم، ما أدى إلى استفزاز الشاب الذي شرع في صفع رفيقته إلى أن سقطت أرضا. مشهد عنيف، كان كافيا لبث روح الشفقة والتعاطف في نفس عصام ومرافقه، وشرعا في محاصرة الشاب ومد يد العون للفتاة، لكن هذه الأخيرة، فاجأت المتطوعين بصوت حازم: «طلقو منو: ديوها فريوسكم يضربني ونتوما مالكم؟ يضربني وميخلي حد يضربني». رد فعل  صادم، جعل عصام وصديقه يتراجعان عن مد بيد العون من للفتاة وتركها وشأنها. هذا السلوك الذي يميل إلى المازوشية، عبر التلذذ بضرب الحبيب، وتأويل تعنيفه كترجمة للحب، تتشاركه بعض من النساء، حيث يرين في عبارة «يضربني وميخلي لي يضربني» عنوانا للحب وسلوكا له وقع السحر عليهن، يوازي كلمة أحبك رغم صعوبة التلفظ بها سيما في الأوساط الشعبية، حيث تلعب التقاليد وطبيعة المجمتع المحافظ دورا في  التعبير عن الحب والاكتفاء بالتلميح أو اللجوء إلى لغات أخرى للتعبير عن مشاعر الحب، أو التعبير عنه في الرسائل النصية القصيرة و«الشات» في المواقع الاجتماعية، فيما يسهل التعبير عنه بطلاقة عند الطبقة «البرجوازية»!

الأغنياء وتعبير عن الحب دون قيود

«النهار الأول عرفت العائلة على كوثر»، يتحدث علي طالب في المدرسة الحسنية للمهندسين وهو يحيل على علاقة الحب التي تجمعه بزميلته في الدراسة، علاقة تقبلتها عائلة الشابين بسلاسة، وأصبحا لا يكادان يفترقان عن بعضهما البعض. استطاعا البوح لعائلاتيهما بما يكنان لبعضهما من مشاعر، ورغبتهما في الارتباط. شجعهما في ذلك قرب إنهاء دراستهما والتخرج. رد فعل العائلتين كان إيجابيا وسريعا بعد أن باركا الارتباط بمجرد نيلهما شهادة التخرج وتدشين رحلة البحث عن العمل. لم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد تكررت الزيارات مابين الصديقين والعائلتين، وخرجت علاقة الحب هاته إلى العلن دون قيود أو رقابة، «المجتمع تطور، وأصبحت العلاقات العاطفية ما بين الشباب أقرب إلى المسلمات، المهم في هذا كله أن تكون هذه العلاقات بعلم ومواقفة الآباء»، يؤكد علي، الذي يرى أن التواصل والإنفتاح في علاقة الآباء مع الأبناء ضروري، خاصة في ما يتعلق بحياتهم الحميمية والعاطفية، لأخذ النصح أولا، ثم التحرر من عقدة الذنب ثانيا.

نفس الأمر يعتقده عبد الحق إطار في وزارة الخارجية، ويرى أن التعامل بمرونة مع علاقات الأبناء العاطفية، ضروري، ويجب فتح هامش أكبر من الحرية. ويؤكد عبد الحق وهو يتذكر كيف تردد ابنه نزار في طلب إذنه باستقبال صديقته أول مرة بالمنزل، والخروج معها إلى أحد معارض اللوحات التشكيلية الذي نظمه المركز الثقافي الفرنسي مؤخرا. قبل الأب دون تردد، بعد أن استوصاه خيرا بصديقته حبيبة :« وتهلا فيها، مللي تخرجو عيطو ليا نجي نوصلك»، يحكي عبد الحق الذي حاول ألا يمارس نوعا من الرقابة على ابنه الشاب، مادام الابن قد طلب الإذن منه كعربون للثقة بينهما، وكي يُعوده على الصراحة والمكاشفة حينما يطرق الحب بابه.

«مالنا في مسلسل مكسيكي؟»

البعض لا يستطيع التطبيع مع مشاعر الحب، ولا التعبير عنها ويدخلها في خانة المحرمات، ومدخلا من «مداخل الفتن»، يُلخص هذا المعطى قصة فاطمة. بصوت لا يسمع جيدا تحدثت فاطمة البالغة من العمر 44 سنة، عن قصتها مع زوجها، قائلة «راني وليت تنخاف نعبر لراجلي عن الحب لي بيناتنا». فاطمة لم تعد تستطيع الإفصاح عن حبها لزوجها لأن هذا الأخير يعتقد أن أي كلمة حب ستقولها في حقه، تحيل على كونها كانت على علاقة برجل آخر!

«راه ولا معيشني في عذاب!»، تقول فاطمة التي لم تعد تستطيع أن تتحمل شك وغيرة زوجها. تحكي فاطمة أنها اقتنت لزوجها هدية، وقامت بتحضير حلوى للاحتفال بمناسبة عيد ميلاده، لكن فرحتها لم تكتمل، لزمت فاطمة الصمت قليلا ثم استطردت قائلة «كنت باغا ندير ليه مفاجئة ساعة مقدرش هادشي!»، فرحتها وسعادتها بالاحتفال بأول عيد ميلاد لزوجها انقلبت إلى حزن وبكاء، وذلك بعد أن صرخ في وجهها قائلا «تي فين تعلمتي هاد شي؟ ومعامن؟»، لم يكتف بهذا بل اتهمها في شرفها، تحكي فاطمة بصعوبة كبيرة تفاصيل ذلك اليوم الذي جعلها تتخذ فيه مجموعة من القرارات المصيرية، من بينها أنها ستعيش حياتها القادمة بدون حب، فهي أصبحت ممنوعة حتى من التعبير عن أحاسيسها ومشاعرها الدفينة اتجاه زوجها وأب أولادها الثلاثة.

ليست فاطمة المرأة الوحيدة التي تعاني من هذا المشكل فهناك العشرات إن لم نقل المئات من النساء اللواتي لا يستطعن التعبير عن مشاعرهن لأزواجهن، فسهام البالغة من العمر 30 سنة، هي الأخرى لا تستطيع البوح بمشاعرها، فهي تقول أن زوجها لا يعترف بشيء اسمه الحب، «راني فينما تنقول ليه شي كلمة زوينة تيقول لي هاد شي تافه! آش كتخربي مالنا في مسلسل مكسيكي؟!»، ما جعلها تفكر كيف تغير طريقة تفكير زوجها، وجعله يخرج من قوقعته ويعبر لها عن حبه، والبحث عن وسيلة لتغيير سلوكه وإضفاء طابع من رومنسي على حياتهم الجافة.

الزمن الجميل للحب

إذاكانت التعبير عن الحب عرف نوعا من التطور في طرائقه، إما عبر الهدايا أو الاهتمام، فجيل الخمسينات والستينات مازال يحتفظ بطقوس خاصة في التعبير عن الحب، رغم كون التصريح به مباشرة باللفظ يدخل في خانة الطابو، «آويلي عيب!معمري قلتها في حياتي! آويلي!» تصرح الحاجة نجية، امرأة في الستينات من العمر، والتي تعمل «نكافة». دخلت الحاجة قفص الزوجية، في خمسينيات القرن الماضي، وترى أن ملامح التعبير عن الحب التي كانت سائدة حينذ لا تصل حد التصريح المباشر بالحب كـ«الأفلام ديال بيض وكحل لي كانت في يامنا» بل كان هذا الاحساس يترجم بالاحترام حد التبجيل لشخص الزوج، وصيانته في غيابه وفي حضوره، وعدم رفع الصوت أو حتى الهمس بين يديه، تستدل على ذلك بكون أمها كانت لا تستطيع الأكل مع والدها في إناء واحد، والعمل على خدمته عند تناوله لغذائه وتوفير كل سبل الراحة له بعد رجوعه من العمل، كما كان الحب يترجم ماديا أيضا، فوالدتها كانت «تعزل الحاجة المخيرة للوالد الله يرحمو، وتعيط ليه غير مولاي أحمد يا مولاي أحمد»، نفس السلوكات ورثتها الحاجة نجية عن أمها، وكانت بمثابة الدستور الذي يؤطر علاقتها بزوجها بعد أزيد من40 الزواج. سلوكات تعكس الإحساس والتعبير المحتشم آنذاك عن الحب، بعكس الزمن الحالي، الذي ترى الحاجة نجية أن مشاعر الحب أو «لبغو» كما أسمته، «تميع بزاف، ومبقاش لحيا، الدراري دابا كيبقاو بغيني نبغيك غير بالفم، يتزوجو ويطلقو في نفس الشهر» تصرح الحاجة نجية وهي تمتح ملاحظتها هاته من تجربتها كـ«نكافة» وتتبع أخبار زبوناتها، قبل أن تختم بنبرة تشاؤمية :«ماكاين لا حب لا والو داكشي غير لعب الدراري، خرجو عليم المسلسلات!»، قبل أن تؤكد أن الحب الحقيقي في نظرها لا يعبر عنه بالكلمات أو بما هو مادي، بل الحب عندها يأتي بـ«العشرة والمعاملة الحسنة والصبر، وكلا واحد يتكايس على لاخٌر!»…

أنس بن الضيف

مشاركة