الشاي وطقوسه في الشعر الشعبي الأمازيغي بالمغرب: وقفة أمام نص شعري من أواخر القرن التاسع عشر بأيت بعمران

سوس بلوس
2011-11-27T23:36:36+00:00
2011-12-04T01:49:01+00:00
تمازيغت
27 نوفمبر 2011
الشاي وطقوسه في الشعر الشعبي الأمازيغي بالمغرب: وقفة أمام نص شعري من أواخر القرن التاسع عشر بأيت بعمران

من الدراسات الأكاديمية الرصينة جدا، والتي زاوجت بين الأدب الشعبي والأدب العربي في المغرب، يمكن الثناء بكل موضوعية، على المجهود الكبير الذي قام به الباحثان عبد الأحد السبتي وعبد الرحمن الخصاصي، في كتابهما القيم والمشترك ” من الشاي إلى الأتاي: العادة والتاريخ ” (1). ويكتسي البحث المذكور أهميته من عدة زوايا، أهمها المنهج الأكاديمي المنظم والصارم، الذي نهج تقنية القراءة الوصفية الناقدة ، من خلال استقراء مجموعة من النصوص والوثائق التاريخية والادبية التي اتخذاها منطلقا وأرضية للخوض في موضوع بكر وصعب في نفس الوقت، استحقا عليه فعلا التقدير .. والنص الذي سنحاول التوقف أمام مضامينه، يعود فضل تعرفي عليه الى الكتاب السالف الذكر، ويتعلق الأمر بنص شعري جميل ومعبر، للشاعر ” ابراهيم نايت إخلف”، سماه بقصيدة الشاي الأولى، وهو مشكل من حوالي 175 سطرا شعريا، تم نظمها كما يؤكد الدكاترة السبتي والخصاصي في حدود سنة 1893 ، ضمن مخطوط شمل قصائد ابراهيم نايت اخلف، سلم للقبطان الفرنسي ” جوستينار”، المعروف بلقب ” القبطان الشلح” بين الاوساط المغربية خلال ماقبيل الحماية الفرنسية للمغرب، نتيجة اتقانه للغة الأمازيغية . ان من بين أهم الظواهر التي غالبا مانجدها تتكرر في نصوص شعرية او غنائية أمازيغية قديمة، ظاهرة الاستهلال بالحمدلة وذكر اسم الله كأساس لكل عمل ابداعي، يليه بعد ذلك الحرص على ذكر ارتباط تقديسي بقطب او بشيخ من شيوخ زاوية صوفية محددة، ربما أسعفت

1/ “من الشاي إلى الأتاي: العادة والتاريخ”، عبد الأحد السبتي / عبد الرحمن الخصاصي، سلسلة بحوث ودراسات،

العدد 25 ، كلية الآداب والعلوم الانسانية جامعة محمد الخامس، الرباط ، ط1/1999.

الباحث في التوفق الى تحديد المجال الجغرافي الذي قد يكون مكان نشأة أو ولادة المبدع، وربما كان ذلك التحليل آلية يمكن بواسطتها تفسير سر تعددية أسماء رجال التصوف، الذين يستلهم الشعراء والناظمون”ّ بركاتهم” ورضاهم وعونهم ..لكن، لانود السقوط في إصدار حكم تعميمي ونهائي جاهز، بحيث يستحيل مثلا ألا تخرق قاعدة معيار المجال الجغرافي في تفسير الارتباط بقطب أو بشيخ معين، لأن الزوايا الصوفية من المعروف أن قوتها لاتتجسد فقط في مكان تواجد أقطابها المؤسسين، بقدرما تقاس تلك القوة والهيمنة بعدد فروعها ومدى انتشارها هنا وهناك، وهو العامل الذي قد يلغي جاهزية الحكم بصحة ذكر أصل المبدع جغرافيا انطلاقا فقط من معيار الاسم الصوفي، الذي يحلو له أن يعتبر نفسه مريدا له، بل، لابد من استكمال شروط البحث والتقصي المتعبة، لتأكيد أو نفي مدى إمكانية الاعتماد على الربط الآلي بين المبدع وبين الاسم الصوفي المستعاد، لتحديد البيئة الدقيقة التي كانت بمثابة شرارة إبداع معين . إن نص ” تاقوصيت ن واتاي”( قصيدة الشاي الأولى)، لصاحبه ابراهيم أولحسن نايت إخلف، الذي عرفه الباحثان بكونه ” شاعرا من ايت بعمران، بساحل الجنوب الغربي، نظم في مواضيع دينية وغيرها بتاشلحيت، وقد جمعت أشعاره في ديوان مخطوط، مؤرخ بعام 1332هجرية/ 1903 م، وسلم سنة 1918 للضابط الباحث جوستينار، الذي كان مقره آنذاك بتيزنيت “(2)، قلت، ان هذا النص احتفظ بدوره على مستوى الاستهلال، بحمد الله والابتداء باسمه في الكلام ، قصد استلهام الكلم الطيب والنظم المؤدب، الذي يحرص على مكارم الأخلاق دون سفاسفها، قبل الانطلاق نحو مناجاة القطب الصوفي” احمد بن موسى”، مؤسس الزاوية السملالية في تازروالت نواحي مدينة تيزنيت بالجنوب المغربي(3).

2/ نفسه ، ص 306

3/ يمكن التوسع في سمات هذه الزاوية وشخصية مؤسسها من خلال الاطلاع على مراجع عدة، منها :

    – مساهمة في دراسة الزاوية السملالية في مرحلة التأسيس، للدكتورة خديجة الراجي، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا، كلية الآداب جامعة محمد الخامس بالرباط 1992/1993 .

 – الفوائد الجمة للتمنارتي ، تحقيق الدكتور اليزيد الراضي . بل إنه في ظل نفس الاستهلال سيقوم بإلتفات شعري واضح، حين سيخاطب جمهورا يفترض أنه كان حاضرا أثناء إنشاده للقصيدة، وذلك الانتقال لم يكن في الأصل إلا حريصا على توفير جو من الهدوء، فطالب الحاضرين بحسن الإنصات والتزام الهدوء، طلب أنهاه بفعل ” فيسات” ( اسكتوا)، لحقت به بعد ذلك عبارة دالة جدا، يمكن في نظري ان تدرج ضمن الأمثال السائرة :

باسم الله ءيسم ن لباري تعالا زوارغت

ءيكا لساس ءيواوال ءينو، نتان ءافاد بناغ

نغر ءيسيدي حماد ءوموسى ءايي صوب ءاوال

نغرايس ءايغ ءيزوور، نزعم باهرا سرس

راراد لعاقل ءاما ءيحاضرن ءيجماعين

فيسات، ءاجات ءاوال، لعدو واوال د واوال

فمن الجلي أن كلمتي ” لعاقل” و” فيسات” تحيلان على نوعية خاصة من النصوص الشعرية الغنائية، التي قد لايصاحبها رقص ما، وبالتالي تستغني عن الإيقاع والعزف الموسيقي المصاحب عادة إن كانت غنائية ، وهي خاصية معروفة في الأغنية الامازيغية منذ القديم، ويصطلح عليها بمصطلح ” أمجرد”، حيث يستمر الرايس في استلهام خاصية من خاصيات ” تانضامت” المرتبطة بطقوس ” أحواش”، وهنا سنلاحظ أن تيار الأصالة في الأغنية الامازيغية بسوس والحوز، قد حرص بشكل ملفت على الاحتفاظ بهذا النسق ، من خلال ايقاف العزف للحظات، من اجل منح اهمية أكبر للمقول الشعري، وهو الاجراء الذي نلفيه حاضرا في تجارب رواد الاغنية الامازيغية قديما وحديثا، كما عند الفنان الحاج بلعيد، الحاج محمد الدمسيري، رقية الدمسيرية، فاطمة تبعمرانت، احمد اوطالب المزوضي، الحاج عمر واهروش وغيرهم كثير.. ومباشرة بعد الاستهلال، سينتقل ابراهيم نايت إخلف الى المقطع الثاني الآتي:

طابلا زوند تافوكت ، لقيصت نس ءاراد بيينغ

تفولكي، تنقي، دار لغاني كاغ ءاتكاوار

طابلا لجديد يوف ءاقديم، نور ءيزيين

راراد لعقول، لفرحا نتات ءايزيين

راراد لعقول ، ءيما طابلا ءوسار دومنت

والي تضفار لموت، ءايس ءيدومن د لخيرت

ان الشاعر يجعلنا بمقطعه هذا غير قادرين على تحديد قصدية مباشرة لقصيدته، تكون وفية لأفق انتظار معين يمكن تصوره، سواء انطلاقا من العنوان كعتبة أساسية ، او انطلاقا من الاستهلال ومابعده . فهو منذ البداية يصرح بأن الموضوع الرئيسي لنصه هو سرد” قصة الشاي”، لكنه سينهي المقطع بذكر خاصية الزوال التي تصاحب ” طابلا” ، مذكرا بالموت كمآل حتمي، مما يفهم منه أنه في نفس السياق الذي امتدح فيه ابراهيم نايت إخلف صينية الشاي، مذكرا برمزيتها الاجتماعية، بفعل إسناد امتلاكها للأغنياء الميسورين، مشبها لمعانها بأشعة الشمس، ومتوقفا أمام صفاءها ونقاءها، مفضلا الجديدة عن المستهلكة القديمة، فإن كل ذلك المدح والتحبيب في ” طابلا” سنلاحظ أنه في آخر المطاف سيتحول إلى نوع من التقليل من كثافته، وكأنه يقوم بقراءة معطى مادي من متاع الحياة الدنيا، مركزا على نسبية جماله وخصائصه، ومذكرا في نفس الوقت بما هو أقوى منه، أي ضرورة العمل الجدي من أجل اليوم الآخر:

راراد لعقول ءيما طابلا ءوسار دومنت

والي تضفار لموت ءايس ءيدومن دلخيرت

وانطلاقا من ذلك التأرجح مابين المدح والتقليل من أهمية الممدوح في نفس السياق التعبيري الشعري ضمن المقطع الواحد، يمكن ان نطرح عدة تساؤلات توجه أفق استشراف معاني النص في المقاطع الموالية، أسئلة تروم تحديد مقصدية النظم بالأساس.

فهل نحن أمام نص وصفي مباشر أو تقريري للأتاي؟ أم أننا في العمق امام نص بنيته العميقة سياسية وعظية دينية، رهانها الرمزية والنضال، في حين أن بنيته السطحية وحدها

تحقق الطابع الوصفي المباشر، متخذة من ” طابلا”( صينية الشاي) مراوغة نظمية تخفي المضمر؟..

فالمتأمل للمقطع الاستهلالي قد لاتخفى عنه لعبة الضمائر التي انتهجها الشاعر، لعبة اعتمدت الانتقال من ضمير المتكلم المفرد ( زوارغت/ ءاوال ءينو/ ءادبناغ)، الى ضمير المتكلم الجمعي بشكل مباشر ، حين يتم استحضار اسم القطب الصوفي ( نغر/ ءايغ/ نزعم). المقطع الثالث سيستهله الشاعر من جديد بصور تشبيه مكثفة، يمكن اختصارها كما الآتي:

وجه التشبيه

أداة التشبيه

المشبه به

المشبه

محذوف

زوند

تافوكت

طابلا

محذوف

محذوفة

بنات نعش

لاكواس ( الكؤوس)

محذوف

زوند

لقوبت ءيلان غ ءيزيل ءيكنوان

البراد

ان كل هذه التشبيهات البليغة والمؤكدة، تترابط في انطلاقها من عقد أوجه تشارك بين مجالين حسيين مباشرين، دون اعتماد خيال شعري قوي يفضي نحو التجريد أو الغموض، لكن، وفي نفس الوقت ، يمكن استنباط بؤرة أوجه الشبه غير المصرح بها علانية، وهي بؤرة ترتبط دلالتها بالعلو واللمعان، بدعوى اعتماد ثلاث مفردات من الحقل الدلالي للطبيعة ( الشمس/ السماء/ كواكب بنات نعش ) ، ولعل ذلك ماسيفضي بنا في نهاية المطاف إلى استخلاص نوعية المرجعية الثقافية التي ينطلق منها الناظم، ألا وهي المرجعية الدينية التي سبق ولاحظنا قبلا استحضارها في المطلع، سواء من خلال الابتداء بالحمدلة وتقديس اسم الجلالة، او من خلال استحضار اسم قطب صوفي هو بمثابة الملهم للقول الشعري، ثم كلمة ” الآخرة”:

طابلا زوند تافوكت ، ءيما لاكواس ءان كيسنت

” بنات نعش” ، ءيما لبراد داغ نتان

زوند لقوبت، والي ءيلان غ ءيزيل ءيكنوان

وفي نفس المقطع دائما ، سنلاحظ انه مباشرة بعد كثافة التشبيهات السابقة، سيدلي الشاعر بشهادة تاريخية اجتماعية لاتخلو من أهمية، حيث أنه خلال عصره لم يكن شرب الشاي في متناول العامة من الناس، بقدرما كان علامة على السمو الطبقي او المهني، سيما وأن امتلاك ” طابلا” يكون مقرونا بالغنى واليسر المادي*، او على الأقل أداء وظيفة في خدمة السلطة والمخزن “:

طابلا تفولكي يان ءيطافن ءايدانس ءيزضاراس

طابلا دلكيسان دلبراد، لجيد ءيزضاراس

ءامغار د لقايد دلقاضي، زضارن ءيطابلاوات

ءولا ءاكليد ءيزضاراس، كويان ءيهداياس

طابلا ءافولكي ءيلا دارونت ولكن هاتي

يان دار ءايدا دلمال، مقار ءيزضاراس

في المقطع الموالي، سيواصل الشاعر تغنيه بجمالية ” الصينية”، مادحا ومفضلا لنوع خاص من كؤوس ” الطاوس” التي تعتبر من أجود وأغلى الأنواع المستعملة خلال فترة الناظم التاريخية

* هل هي مصادفة أن يحرص عمالنا المغاربة في الديار الاوروبية خلال سنوات الهجرة الاولى  على اعتبار علب ” الشاي” اسمى هدية تقدم لذويهم وأصدقائهم حين يعودون لقضاء عطلهم السنوية في المغرب ؟.. ومابعدها ، دون أن يغفل العودة مجددا إلى أسلوب التشبيه، حيث سيشبه في هذا المقطع نيران ولهيب ” المجمر” بنار ولهيب جهنم، في نفس الوقت الذي شبه فيه صوت غليان الماء بأصوات الصراصير، بل إنه سيسند للماء المغلي نوعا من الدلالة المجازية، مضمونها التبرم من تنكر الأشجار للجميل، فرغم كون الماء هو من منحها الحياة وتعهدها منذ كانت في أولى مراحل الغرس والنمو ، فإن هذه الأخيرة ستتحول إلى حطب سيقوم بعد إحراقه وتحوله الى فحم بعملية تسخين الماء المعد للشاي، وللإشارة فقط، فإن إسناد دلالة مجازية للماء أثناء الغليان له تنويعات واستعمالات مختلفة في الثقافة الشعبية الأمازيغية، بل غالبا مايتخذ كوسيلة أحاجي أو ألغاز، وإن كانت الإجابة تختلف في الألفاظ المستعملة، رغم توحدها في المعنى العام:

طابلا دلكيسان ن طاوس ءايفولكين زيين

ءيكا لمجمر جهنما، لمقراج داغ نتان

ءاركيس حركن وامان زوند ويزوكن نان :

” ءيفوغ لخير دونيت، نزرا لاشجار

ءارتنت نسوا، نتنتين ءاداغ ءيحركن ءوكان “

بعد ذلك، يستمر الشاعر في توصيف مكانة الشاي عند العموم في المجتمع الأمازيغي السوسي، واصفا عملية إعداده بشكل عام ، ومنبها بالتحديد للنكهة الخاصة التي تضفيها أوراق نبتة ” النعناع” على مذاقه، إلى درجة أنها تقوم بنفس وظيفة مادة الملح بالنسبة للطعام، مرتكزا من جديد على التشبيه في صياغة معاني المقطع، حيث شبه هيبة الشاي بهيبة الملوك، كما شبه البخار المنبعث من إناء ” المقراج” بفحيح الأفاعي لحرارته المرتفعة، بل إن حب العامة للشاي يرادف حبها للحياة بكل عام ، كمادة تورط كل من تذوق حلاوتها في الإدمان والإذلال المستمرين، اللهم باستثناء الفقراء، ممن لايمتلكون إمكانيات اقتناءه، الأمر الذي يؤكد أن الشاي في حدود أواخر القرن التاسع عشر ظل حكرا على الطبقة الغنية، وهو المعنى الذي يكرره ابراهيم نايت إخلف في غير ما موقع من قصيدته المطولة هاته :

ءيفوغ لفوار ءيمي لمقراج زوند ءيمي ءوبنكال

ءيفي ياغن لبراد ءارنيت نسدولو

كيس ءاتاي ءولا سكار ءيفسي زوند ءامان

ءيكاس نعناع تيسنت ، كرا مو يحادا ءيميم

ءيفي ياغ لبراد غ لكاس ن جاج بيينغ

كويان ءيرايغ ءيزري ميدن ءيلا غ دارنغ

حوبين ءاغ ميدن زوند ءاكليد ءيغد ءيفوغ

زوند لموحيبا ن زمان ءوراك ءاتبالان

نك لمقراج دلبراد دلكيسان د ءوفوس

نزري غ ءيمي دار تاسا دوول راحاغ كيسنت

يان ءاغ ءيمضين مقار ءيكا صابي نهولت

ءيما والي تيميارن يست ءاك نسلب ناويت

نلا تامان، يان ءيزلضن ءورسار ءيدس نمون

أما المقطع الموالي، فإن معظم أسطره الشعرية تتميز بكونها تؤسس صورة شعرية قوامها التشبيه، مع ملاحظة وجود تفكك في المقطع من ناحية الوحدة الموضوعية، بحيث ابتدأ الشاعر الاسطر الثلاثة الأولى بذكر مصدر السكر، الذي تأتي به قوافل التجار على ظهور الإبل، واصفا ورق تلفيفه ب” الدراع” الصحراوي وغالبا لخاصية اللون ، وتلك معطيات اجتماعية تخص منطقة ايت بعمران المشبعة بثقافة الصحراء الى جانب الاصول الامازيغية، بشكل يتضح فيه تلاقح مباشر وبخاصية تأثير وتأثر. إن أجود أنواع السكر المتداول في فترة الناظم التاريخية، هو مايعرف ب” سكر الثلج”، في حين يحتل سكر” نخلة الباسط” رتبة دنيا، كما أن أجود أنواع الشاي هو المستورد من لندن، دون أن يتوقف ابراهيم نايت إخلف كثيرا أمام أنواعه الاخرى المستعملة في الفترة الزمنية التي عاشها ، عكس الرايس الحاج بلعيد مثلا، الذي ابدع قصيدة معروفة حول الشاي، سرد من خلالها معان منها مايتقاطع بشكل كبير مع قصيدة شاعرنا البعمراني، مع فرق أساسي يكمن في عدم إغفال الحاج بلعيد إعطاءنا صورة أشمل على مستوى توثيق أنواع الشاي المتداولة، وبطريقة دقيقة حين قال :

” لباسطوس” د ” النيميلي” وانات ءيسوان ءيكرهو ءاتاي

وانا ءيران ءاتاي ءاد ءيخيير ” الكمنجة” د ” المفتول”

ءاتن ءيسو وانا يوضن ءيخف نس ءيجي دلحين

وإذا كانت الأسطر الثلاثة الأولى قد ارتكزت على توثيق بعض ملامح عادة إعداد وشرب الشاي في عصر الناظم على مستوى توثيق اجتماعي اقتصادي، لمادة اقتصادية تدخل ضمن العادات الاجتماعية المغربية عامة، فإن الاسطر الاربعة الموالية لم تخل من أداة التشبيه، التي يضطلع بوظيفتها الدلالية الفعل الماضي ” ءيكا ” ( أصبح)، إلى درجة تكراره بصيغ متعددة على صعيد الضمائر ( ءيكا / كان / تكا )، مع العودة من جديد الى معجم ديني لاستكمال اطراف التشبيه، وبالتحديد ” الصلاة” ، لخلق تقابلات على شكل ثنائيات :

الفاخر = تاصومعيت

المقراج = المؤذن

البراد = الإمام

كؤوس الشاي = صفوف المصلين

الصينية = المصلى

بتلك الثنائيات، سيتضح أكثر بأن ثقافة الشاعر يغلب عليها الطابع الديني المحافظ، مما كان وراء خيال شعري غالبا مالايستطيع الانفلات من حدود تلك المرجعية، وبالتالي فإن السؤال الذي ذيل به المقطع لايخلو من إشارات وعظية صيغت بطريقة ذكية، حيث إن كانت التشبيهات الواردة تؤدي دور الحجة المنطقية للإقناع والتأثير على المتلقي، مؤكدة أن الشاي يحيل في هيئة اعداده على مقومات طقوس الصلاة، فكأننا بالسؤال ذاك يستهدف ضمنيا التذكير بضرورة تقوية الجانب الروحي الديني، ربما لغايات ستتحدد معالمها في المقاطع الموالية:

لقالب ءيلسان ءاضراع ييليد ف ءيرامان

( ءينخالات لباسط) ءيغ ءوريلي” ثلج” ءيزيين

ءاتاي لوندريز(4) ءاكيس ءيفولكين زيين

ءيكا لفاخر تاصومعيت، لمقراج داغ نتان

ءيكا لمودن، ءيما لبراد ليمام، ءيحاضر نيت

ءيما لاكواس كان صفوف، صينيا داغ نتات

تكا لمصلا، ماتنام ءاويلي ءيفهمنين ؟

لطقوس اعداد الشاي إذن شروط قبلية صارمة، أهمها الحرص التام على نظافة مكونات ” الصينية”، بالإضافة إلى إسناد الإعداد لمن يوقر شروط الإتقان التام ، مع الحضور القوي للزي الأمازيغي التقليدي عند المعد، دون نسيان ضرورة اتصافه بالرزانة، التعقل، والمحيا الباسم

4/ احتفى شعراء شنقيط ( موريطانيا)، سواء بالعربية او بالحسانية، بموضوع الشاي في قصائد كثيرة، والجدير بالذكر أن مصطلحات امازيغية عديدة تسربت الى الحسانية، كلفظة” أنقام”( معد الشاي).

وإذا اعتبر شاعرنا شاي ” لوندريز”أفضل الانواع المتداولة اواخر القرن التاسع عشر، فنفس المعنى نجده عند الشاعر الموريطاني محمد بابه بن محمد مبارك الديماني حين يقول :

شراب أتاي الوندريز منعنعا         من أشهى شهيات اللذائذ أجمعا

ولكننا نشكو الى الله شربه            بشرب على غير المعالي تجمعا   

( انظر : محمد المختار السوسي، خلال جزولة، ج2 ص 73 ).

باستمرار، دون اتصاف بالتكبر، فإن تصادف وتواجد في المجمع من هو أكفأ منه، فإنه يتخلى له عن المهمة، وتلك من الآداب المحمودة كما يؤكد الشاعر، الذي يرى بأن الرجل البخيل لا يليق به تهييء الشاي نهائيا، واصفا إياه بالنجاسة وعدم الحرص على النظافة، التي رأينا كيف جعل منها ابراهيم نايت إخلف أولى شروط إعداد الشاي ككل:

طابلا لموراد ءاتنقي، غايان ءافد ءيويغ

طابلا دلبراد دلكاس لابد ءاد سوفون

زييفن س ءوشرويض ءيغوسن، ءاوريك ءاقديم

د ءونقام ءيكان لميزان ( ءيتوجوه) ءايزيين

ءيلس ءاحايك د ءوعمام، لعاقل ءايحاضر داغ نتان

تاضسا دلفرحا ، ياج لكيبر، ءاور ءيكابر، ءيحرم

ءانقام ءاكرض واياض ءايلان، هاتي

يان يوفن واياض ياجيت، لاداب ءايزيين

ءابخيل لمورزيح مايرا طابلا، ءانباري ءايس

ءيكر، ءولا حادان لكاس، ءابخيل ءور زيين

ءينرات ءيريد، كار ءيريد يوفت ءالاهلانس

ان الشاعر ينتبه بذكاء الى مقاييس وشروط معد الشاي، ويستقرىء مدى تحققها من عدمه، انطلاقا من استقراء ردود فعل الحاضرين وأحاسيسهم، مما يعني ان التوافق والحميمية والثقة المتبادلة هي عناصر تتدخل في إكمال طقوس إعداد الشاي في الوسط الأمازيغي بامتياز.. لذلك، فإن الشاعر يوجه انتباه ” معد الشاي”( أنقام) الى الحاضرين، فعلامات قبول انتدابه للمهمة تتضح من خلال حرصهم على القسم عليه بأن يقوم بها، مع الأخذ بيده لإقناعه بالاستجابة، ومع كل مايصاحب تلك التوسلات البريئة من ابتسامات صادقة، وإبداء محبة واضحة تجاهه، تؤكدها عبارات التبريك المنطوق بها في حقه، علما بأن الأولوية في اختيار ” أنقام” تعطى دائما لذوي المقام الديني الرفيع ” الشريف” او ” أكرام ” . لكن الشاعر سيغادر مجال تخصيص اعداد الشاي بالحديث، منتقلا إلى ماهو أعم في العلاقات الإنسانية، إذ أن نوعية العبارات المتبادلة غالبا ماتضمر مواقف رضى أو سخط، من قبل هذا الطرف أو ذاك :

شريف د ءوكرام هان زرب ءاور ييلي غ دارون

ءيغ ءيكا يان ءانقام، ءيسماقل ءارد ءانين

ءايت لمكان، ءيني تران حوبونت ، ءيضهر نيت

يان ءاك ءيران تاغاوسا ءوالله ءاس ءاتكالان

ءيزايداس: ” عيا ليمين” ءيلديكين س ءوفوس

تاضسا دلفرحا، لموحيبت د”برك” ءيزدي نيت

مرحبا ءيكاد ءيكنوان، مرحبا كاند ءيكالن

ياويك س لبيت ءيفولكين، دلفراشات كيسنت

ييلي لامان، يوف نتا كراد ءيبدر يان

ءيما يان ءاك ءور ءيرين تاغاوسا لهون ءاكن :

” برك ءامسكين روحات، ءيوا ءاك ءيهدو ربي”

” يالاه روح، نشالاه”، تنيت ءيزد النيت

ءيساك ءينا : ” ءال ءاضار نك، ءور ءيبعد لحال “

إن اعداد الشاي يحظى بطقوس خاصة تميزه كما سلف الذكر، وهنا سنلاحظ أن الشاعر يشدد كثيرا على ذلك المعطى، ويستحضره بواسطة آلية التكرار عبر محمل أسطر قصيدته المطولة، مضيفا في المقطع الموالي عنصر أو شرط اقتران إعداد الشاي بنظافة المكان، وعبق البخور وغيره من أنواع العطر التقليدي المتداول، بالإضافة الى توفر أجود أنواع الأفرشة وأغلاها قيمة وثمنا كالزرابي و” إحنبال”، مما يشكل لوحة ذات جماليات متميزة، تمنح للشاي رمزية استيتيقية واجتماعية دالة، دون إغفال تحديد أوقات معينة لذلك الإعداد، عكس ماهو متداول في الأزمنة المعاصرة ، أزمنة افتقد فيها الإعداد مجمل طقوسه وجمالياته:

ءاتاي ءيلا لاوقات ءاويلي جهلنين

صينيا د لمرقا د ءودي ءاويلي فهمنين

د ءوغروم ءييردن، د لبيت ءيعزلن واحداتنت

صالابان د لجاوي دلعود، لبخور ءايزيين

ب شرطاين : لبيت ءيغوسن ءايتيري داغ نتان

ءولا تازربيت ءولا ءيحنبال واكداليك

طابلا غ ءوفلا لفراش، وافهم لاخبارات

ءيغ ءومزن ءيضوضان يان لكاس، هاتي ءيس تهنان

ءيغ ءوكان ءيسوا ، تجي تاسا غ لهمومات

ورغم أن الشاعر كما أسلفنا ذلك يحلو له من حين إلى آخر أن يكرر جملة من المعاني، فإنه في الأسطر الشعرية اللاحقة سيضيف معطيات جديدة، منها ما هو مرتبط بعدد كؤوس الشاي المتعارف على تداولها أثناء كل جلسة، فهي لاتتجاوز الثلاث كؤوس، مذكرا بأن كل طامع في المزيد سيعتبر مخلا بطقوس الشاي، مما يلزمه بالعقاب، مادام الشاي أصلا لايستهدف إلا مكارم الأخلاق والاتزان، دون أن يستهدف الإشباع، مما يخرج وظيفته الأساسية من مجال مادي حسي استهلاكي، إلى مجال معنوي أخلاقي ..كما أنه سيحدد نوعية” المستحقين” لشرب الشاي، إذ على عكس شعراء كثر قننوا ذكره بالمجال العاطفي أو الجنسي الفج، فإن شاعرنا جعل منه وسيلة لتقوية الروابط بين العقلاء، العشاق، الأسرة والأهل، اضافة للاستمتاع الذاتي، مخصصا أسطر المقطع الأخيرة للثناء على رجال الدين بالخصوص، الى درجة أنه سيغادر مجال الوصف التقريري المباشر للشاي وطقوسه، منتقلا إلى موضوع التذكير بفضل الفقهاء والعلماء على العامة، وتميزهم عنها، مستلهما بشكل ضمني أدبيات التصوف في إطار نسق العلاقة بين الشيخ والمريد، اضافة إلى بعض الأحاديث القدسية التي انطلق منها الشاعر، للتذكير بمآل كل من عادى أولئك العلماء والصلحاء من رجال الدين، مذكرا بأن مصيرهم الحتمي هو جهنم، عكس من حرص على توقيرهم وطاعتهم ..إن الاسطر الاخيرة لاتخلو من معطيات تاريخية مهمة، إذ يمكن من خلالها فهم استراتيجية بعض الزوايا الصوفية في ممارسة التأثير على القاعدة، انطلاقا من توظيف مجموعة من الشواهد القرآنية أو تلك المستنبطة من السنة النبوية، تنضاف إليها أدبيات الزهد والرقائق ومعظم الشواهد الصوفية ، ذات الإحالة على مفهوم الولي ومايصاحبه من كرامات، القصد منها التأكيد على الشرعية الدينية لكل ولي، مع مايستلزمه المقام من خطاب ترغيب أو ترهيب، حسب الظروف وحسب المعطيات العامة :

صينيا دلبراد دلمقراج غ لبيت زيين

ييلي كيس لوندريز، ماش ءور ءيكين ءاقديم

ءولا ثلج ءولا شيبا د ليقاما كداليك

يان ءيسوان كراض لكيسان يودا، لقنع زيين

ءيني ءيرا كوز ءاكوراي ءات ءيخاصان غ لحين

صواب كايتيلين غ واتاي ءيما شباعت

يان تنت ءيران ءيكاسنت تاسرا زوند ءارام

ءايت لمعنى، لعاشقين، ءاغ ءيجوز واتاي

طلبا د لعولاما ستاهلان ءاتاي د لفرحا

ويلي ءيكصودنين ربي كين ءاغاراس، ءاسد ءيفوغ

كيكان ءاس ءوفن طلبا ءيعامين، ءورد ءيميك

ءاخديم ن طلبا ءيغ ءيموت، ءيكا ءولجنت

يان تن ءيكرهون ءاغان ءيتيلي د واد سقار

ومن جديد، يعود الشاعر ابراهيم نايت إخلف الى الحديث عن معد الشاي( أنقام)، مذكرا إياه بضرورة الحرص على إتقان الاعداد، حتى لايثير سخرية منافسيه الآخرين، الامر الذي يعني أن صفة المعد المتميز للشاي ربما كانت من الصفات التي تنافس من أجلها الكثيرون، وقد أدركت الاجيال اللاحقة صحة هذا المعطى، خاصة في المجال القروي ، خلال المناسبات العائلية بالخصوص، إذ لازالت بعض المناطق البدوية في سوس مثلا تعطي أهمية لذلك، فتسند الى أفراد مهرة مهمة إعداد الشاي:

ءاواد ءيكان ءانقام واتاي ، هاتين

لكاس ءيزوارن ءولا ويسين حرشات، هاتين

ءيغت ءيخاصا ءيميك نيغ ءيزويد، بطال دارون

ءاشكو ءينقامن ياضنين ءايكان لعدو نون

حرشات ماغات، ءيما ويس كراض ءاغد نتان

ءيغ ءيميم، ءور ءيكي جميل، لابد ءاد زيين

ءيغ ءيكا يان ءانقام، ياكوين ءارد ءانين

ءاتاي ءاماس ن زنبيل، ياكوين ءارد ءانين

ثلج لحور ءاماس ن تربيعت ( ءيقوباين)

ان تفكك الوحدة العضوية في هذه القصيدة كان وراء ضعف الخيال الشعري عموما عند شاعرنا، والذي نلاحظ التقريرية مهيمنة على أسطر نصه الشعري، مع هيمنة الحس الوعظي الديني، الذي ينطلق منه الشاعر ويجسد من خلاله نوعية مرجعيته الثقافية كما أسلفنا.

هكذا سنجده يعود من جديد الى تكرار معنى سابق، إذ وبفعل ندرة الشاي والسكر المستوردين، فإن الفقراء والمعدمين لايجدون إلى إعداده سبيلا، بل، يحذر الشاعر هؤلاء من القيام بأفعال غير محتسبة العواقب من أجل الشاي، كاللجوء الى بيع المنازل، أو رهن أصول اراضيهم الفلاحية والبساتين التي يمتلكون، وبالتالي السقوط في دوامة الديون المتراكمة، مع ما تجلبه من إذلال لأصحابها :

ءاوين داري لوصيت ( ءيما تي ءور ءيتبيتنت)

يان ءور ءيطافن ءايدا نس ، ءينكيري د واتاي

ءات ءور ءيسالا، ءيزنز تيكمي د لاصول

ءولا جنانات، لهرن، عدمن، شاهوات ءايخلون

ءاشكو سكر كان ءاكرزام، نتان د واتاي

وانا زران ءوكان ، ءيقونعا ءيتوادا ءيكلين

طابلا ءافولكي ءيلا دارونت، والاكين هاتين

يان دار ءايدا دلمال، مقار ءيزضاراس

ءاوين داري لوصيت ( ءيما تي ءور ءيتبيتنت)

كولما ديكان لميزان ءيمنعا جميل نس

ءيلكم سكر ءيكنوان، ءاتاي واكداليك

لموفليس د ءومزلوض سرسن طابلاوات

ءولا لبريق ، ءامزلوض يوت نطاح، رمين

مايرا ءومزلوض ءاتاي، ءيحرم كيس تورزيوين

ءولا تيسوما تيسوار ، كانيت كومرن

ءورد لكسوت، ءورد ءيدوكان، ءيركان ءورد ءيميك

ءيحرم ءادريم، تمرواست ءار ءوكان تكسنت

ءيتخواض ءانيت ءيفرو يات س ءيناغ ءوضرن

تمنطاش، ءينا غ ياني باب نس ءيسدولوت

لخروض، لميعاد، لوتيقت، ءيسرميد غايان

لخصام، تاكاليت، ءاركيغ ءيرمي ءيفرود غايان

مايرا ءومزلوض ءاتاي ، ءالحباب ءيجدر وول

ءوركين ءافلاح، ءور كين ءاكساب، ليصول

ءيحرم تاسمات وكال ءيجري واكداليك

ءولا تيكمي، ءاخراب ءاغ ءيميار ءيك واياض

ءوركين ءامغار دلقاضي ءور كين لقايد، ءوحلن

ءوركين ءاكليد، ءولا صنعا، ماس ءيزعم واش ؟

لغاية وعظية إذن، يقترن الشاي في تصور الشاعر بمفاهيم القناعة والإقتصاد، وفي هذه المقاطع الأخيرة سنلاحظ أنه يتجه نحو أقوى تيمة سيختم بها النص الأول هذا حول الشاي، علما بأن لنفس الشاعر قصيدة ثانية في نفس الموضوع، عنوانها ” قصيدة الشاي الثانية”، وهو نص يمكن الإطلاع عليه كاملا في كتاب عبد الأحد السبتي وعبد الرحمن الخصاصي المذكور، وبالتحديد الصفحات ( 419/421 ):

طابلا د لكيسان ن طاوس ، ءور ءيلي بلا يان

ءيكان لقانون، ءيك ءاكياس، ءيموسو نيت

لقنع د لقانون د لحايدر ءيفولكين زيين

ءيما لموسريف، ربي ءات ءور ءيتحوبون، ءيجهل نيت

في المقطع الموالي، سنبدأ في جس نبض الشاعر، وتصوراته حول الوضع الاجتماعي في منطقة سوس ، تحديدا خلال أواخر القرن التاسع عشر، حيث سيصرح بغياب تام لميثاق أخلاقي، ينبني على المحبة والتعاضد، وكأننا بعادة استهلاك الشاي تلغي انسياب تلك الروابط الاجتماعية، كنوع من الادمان والانحراف، الممهد لما هو أفظع ربما، سيما وأن الفترة التاريخية التي يوثقها النص هي فترة حرجة سياسيا وتاريخيا، بحكم تزايد الأطماع الاستعمارية:

تفوغ لموحيبا لقوم ، ءاغ تلا د وامان

ءيكس ءاغ واتاي ” برك”، ءيكس ءاغ ءيركازن عدلنين

وانات ءور ءيسوين مقار ءوكان ءيتكالا

ف وودي ءولا تامنت، ءولا دهن، ءيكا بطال

لبروج وودي دتكلاي دلبرومي دكمين

ءاتيفيي دلمرقا ، نان ويلي ءيجهلنين :

كرايكات ءاموسو غ ءوريلي واتاي بالان

ءيكشم لخير ءامان حمانين، ءايايضمعان

لموحيبا س ءومازن غ لقوم ءاد غ ليغ

ءوركيغ لعيب ءيطعامات، ءاتاي ءايزيين

717734722  - جريدة سوس بلوس الإخبارية

وفي سياق النصح الذي لاحظناه في غير ما مقطع من هذه القصيدة، ستبدو في المقطع الموالي تيمتان جديدتان، يحرص الشاعر على استحضارهما في إطار إصلاحي أخلاقي جلي. هكذا، سيركز على حسن التدبير في الجوانب المعيشية والاجتماعية الاخلاقية عامة، بالتركيز على مفهوم ” التوسط”، الذي يعني حفظ التوازن ما أمكن، كآلية من آليات الصمود، وضمان عيش لايخلخل الضوابط الاخلاقية، التي يمنحها ابراهيم نايت إخلف أهمية كبيرة على امتداد مقاطع نصه الشعري، لكن، إن كان التوسط يعني بشكل مباشر التدبير الاقتصادي المادي ، فإن التيمة الثانية التي يجب أن تصاحبه هي تيمة ” الرحمة”، والتي يقصد بها تقوية أواصر القرابة ، والتعايش المبني على تعاطف جدلي، وعلى نبذ الذاتية والتشرذم :

ءاوين داري لوصيت ءيما تي ءور ءيتبيتنت

ءافولكي دزين ءاصينيا ءيغاما، ءيلا د وامان

ءيغ ءيحما واتاي نيغ ءيكورم، يوف لاهلانس

لواسط د الرحمت ءايفولكين، يان ءيتميازن ءاوال

ءيكاد كويان ءافولكي، تومزين كاغ ءيكيوير

ءيغ ءيسوا ييلي تيسنت، ءور ءيحتاجا ءيبلا ءافوس

ءيما ليدام ءور ءيدوم، ءايدومن د ليخرت

ربما كان أقوى مقاطع قصيدة الشاعر هاته، هو المقطع المتكون من الاسطر الشعرية ( 155/166)، فهو مقطع يخرج من خلاله الشاعر من مجال التلميح نحو مجال التصريح بالقصدية الأساسية، التي تحكمت في إبداعه لقصيدته حول الشاي . في هذا المقطع، يحضر ” الآخر”، أو المستعمر بصريح عبارة ” أرومي”( الرومي)، الذي يستغل إدمان المغاربة للشاي كوسيلة لترسيخ تغلغله بين فئاته، وهنا نفهم أكثر دواعي حرص الشاعر السابق على نبذ الإسراف في التعاطي لهذه المادة الاقتصادية، مادام مدركا لكونها ورقة من أوراق الضغط الاستعمارية، التي قد تفتح أمامه فجاجا وشعابا، ربما كان صعبا تخطيها اعتمادا فقط على لغة الرصاص والعنف، بل، إن المواد اللازمة للإعداد، والمستوردة من أوروبا، هي بمثابة ذخيرة ومدافع تقوم مقام وسائل القتال الفعلية، هكذا يثبت الشاعر أن مايستحق أن يهتم به أصلا هي الأرض، من خلال الزراعة وجني محاصيلها من الشعير، دون أن تكون للشاي أولوية تسبق أهمية المنتوج الفلاحي، وخاصة منه حبوب الشعير. ان ” النصراني” حسب الشاعر، ينطلق من مبدإ ومن قناعة دينية، تظهر له المسلم في صورة العدو الأبدي، وذلك التصور والتمثل أكيد أنه متوارث أكثر مما هو حديث العهد، الشيء الذي يجعل ” الشاي” يتم النظر إليه من زوايا متناقضة، مابين نوعية استقبال المغاربة له كعادة جديدة، بدأت تغادر برجها العاجي السابق، نحو تداول وشعبية أوسع على مستوى الفئات الاجتماعية، وبين نوعية استغلال ” الآخر” لنفس المادة، أولا على مستوى اقتصادي مادي مباشر، تمثل في التصدير نحو المغرب،استثمارا لسلوك ترسخ منذ نشاط تجار الصويرة(5) ، وثانيا على مستوى المفعول الرمزي الذي قد يؤديه إدمان استهلاك الشاي في سوس مثلا،العامل الذي سيجعل صورة الآخر تبدو إيجابية أكثرمما ستبعث على الريب والتشكيك فيه.

5/ تجد معطيات مهمة في هذا الجانب، بالاطلاع على كتاب :

– دانييل شروتر، تجار الصويرة: المجتمع الحضري والإمبريالية في جنوب غرب المغرب، تعريب: د. خالد بن الصغير،

منشورات كلية الآداب والعلوم الانسانية ، جامعة محمد الخامس الرباط، 1997 .

النوايا، التي هي في الأصل نوايا كولونيالية كما سيكشف التاريخ، سنوات قليلة بعد تاريخ

نظم ابراهيم نايت إخلف لهذه القصيدة.

لقد مزج الشاعر بين معجمي الشاي والحرب بشكل موفق في هذا المقطع، فجعل من قطع السكر كور مدافع، ومن الشاي بارودها، فلو كان في أطنان قطع السكر التي تصدر إلى المغاربة نفع للآخر الأوروبي لما اهتم أصلا بذلك العناء والتصدير، الذي سيتحول إلى وباء على تجاره بالتقسيط، ربما بفعل انتشار الغش والتدليس أثناء البيع، من أجل ربح سريع، مما

يجعل الشاعر يعتبرهم بمثابة المارقين المرتدين عن دينهم، وكأنهم ، أكثر من ذلك، مصنفون ضمن مرتكبي الكبائر وليس مجرد مخالفات بسيطة، العامل الذي يشرح بجلاء السطرين الأخيرين في المقطع :

تومزين ءايكان لعولت ، ءيما ءاتاي هاتي

ءيسن ءورومي ءيس تكام لعدو، ءاركن ءيكات س ءيزران

لانفاض ءاتاي، رش لميزان ، ءيمدي نيت

ءاعدو ءاحليك ءاغ ءيكات ءيسن ءيس كيس

ترخا لموت، ءاحليك، تاسا دوول غين ءاغد لان

ءيفكاد ءورومي س لقياس، لقالب ءاغد ءوسين

ماعلا كيس نافيعا ءيكوتين ءوراد لكمن

ءيصرفد ءورومي ءيزران نس ءايليغ د ءوصلن

تكيمتن غ لميزان، يوتن كيس ءيتوت

ءايت لميزان ءاينكاران دربي غ ليخرت

ءور لين ءاشافيع ءولا كين لجنت، ءيكا موحال

وإذا كان افتتاح القصيدة قد تأسس على مفاهيم دينية كما مر بنا ، فإن بنية النص تميل إلى الدائرية، بحيث ستنتهي القصيدة بنفس الحس الذي ابتدأت به .

لذلك، سنجد بأن المقطع الأخير فيه دعاء بالرحمة على الشاعر، سواء وهو على قيد الحياة

أو بعد مماته، في نفس الوقت الذي طالب فيه المتلقي بالدعاء له، وتجاوز زلاته في حال وجود

مايخالف الاخلاق والدين في معاني قصيدته:

ءيس هلي فاسرغ ءاوال ءيما طابلاوات

ءيكوت واوال نسنت ، ءوتين ءيتران ن ءيكنوان

رحم ءاربي ناضيم، ءيغ ءيدر ءولا ءيغ ءيموت

سامح ءيناضيم ءاربي كيغ ءيزايد ءاوال

نغ ناقصن، ءاربي الرحمت تلا غ دارون

نكمل ءاوال ن طابلا، نكين هاتي

نضالب ءاون ءامايسلان دوعا، ريغ كيسنت

تين ربي د لواليدين ءينو د وينون

ءانبي محماد ءولا ليسلام ءاجماعين .

عن الاستاذ  : محمد بلوش

atay - جريدة سوس بلوس الإخبارية

عذراً التعليقات مغلقة