تحقيق: الرُّحَّل بزاكورا..ربابنة الصحراء وحفاري قبور الأحياء

سوس بلوس
الرئيسيةسوس في الصحافة الوطنية
20 يونيو 2012
تحقيق: الرُّحَّل بزاكورا..ربابنة الصحراء وحفاري قبور الأحياء

الرحل…أسر صحراوية قهرتها الظروف الطبيعية بفعل توالي سنوات الجفاف، لتضطر إلى تغيير أسلوب عيشها بسبب مناخ صحراوي شرس أعلن الحرب على المنطقة منذ مدة، وجعل شبانها يزاولون مهنا هامشية في قطاع السياحة، لكن مع الاحتفاظ بأهم خصائص حياتهم من تقاليد وعادات.بين صحراء ممتدة على امتداد دواوير كتمكروت وأمزرو، قطعت السيارة 25 كلم، وقد عكست أشعة الشمس خيوطها على الرمال الذهبية لتسبب “سرابا” يتخبر كلما اقتربت منه. على الجانب الأيسر من الطريق، يكاد تواجد فندق أن يخرج المنطة من يخرج المنطقة من طبيعتها تنتهي عند أحد الفنادق السياحية، ذو معمار شبيه بالقلاع لا تخرجه من هذا الوصف سوى صحن هوائي رفع على سطحه، وغير بعيد عنه بعض الخيام السوداء والبنية المخصصة بعضها لسكنى الرحل وأخرى لاستضافة بعض الزوار من الأجانب والراغبين في التداوي من مرض الروماتيزم.

ربابنة الصحراء

كانت ” تينفو” قديما، منطقة عبور للوصول إلى تمبكتو، لهذا توجد يافطة في الطريق إلى زاكورة “52 يوما”. على جانب من الكثبان الرملية، جلس شاب أسمر البشرة على سنام أحد الجمال. كان يعاني إعاقة خلقية في يديه اليمنى، يرتدي لباسا صحراويا عبارة عن عباءة صحراوية زرقاء بلون السماء، وعمامة تحمي الرأس من ضربات الشمس القوية. أمسك محمد،35سنة، بحبل ربط بناقته العابرة للصحراء أو “سفينة الصحراء” يمتطيها سائح أجنبي، يتجول بين كثبان هضبة تينفو. بكلمات فرنسية، تحدث إلى زبنائه الخمسة بعد امتطائهم سنام الجمال المعدة للسياح الأجانب وبالداخل.

يتعرف محمد كل يوم علي العديد من الزوار، بل ويربط أحيانا صداقات ولا ينسى أن ينصح زائريه بالعودة مرة أخرى ” مرحبا بيكم مرة أخرى”. ويحرص محمد هو وأحد زملائه على تقسيم العمل، ولا يخفي محمد فخره واعتزازه بجماله، كل بلقبها وموطنها: مبروك، الزوين، حمايمي، تيربو، تيسير…أمسك محمد بالحبل ليقود أول القافلة بخطى هادئة اقتفت أثرها جماله.

محمد ذو مستوى جامعي، من عائلة للرحل الذين استقروا بالمنطقة مكونة من سبعة أشخاص، توفي والده منذ سنوات، ليضطر إلى ترك الدراسة لإعالة أسرته، ويقطن حاليا مع زوجته وأخيه. هو أب لطفل في شهره الرابع، يعمل منذ خمس سنوات برمال تينفو كمرشد، ” السياحة الصحراء”.

 انقطع محمد عن الدراسة في وقت مبكر بسبب وفاة الأب و الظروف المادية، ولم يكتب له تحقيق حلمه بنيل شهادة جامعية تمكنه من إيجاد عمل قار، لم يجد من بديل سوى استغلال مؤهلات منطقته من رمال ذهبية، وشمس لافحة وخلاء لا محدود في أنشطة سياحية بل وأحيانا استشفائية.

كثبان تينفو…على بعد 19كلم من تمكروت، مكان متفرد بلونه الذهبي المميز وسحر لا يقاوم يدفعك إلى نسيان أنك على باب الصحراء. تحت أشعة الشمس الحارقة، يقضي محمد ساعات طوال- وطيلة خمس سنوات – في انتظار عاشق لرمال ذهبية، حيث يجد الزائر إلى المنطقة ما يحتاجه سواء كان فندقا يجمع بين خصاص المعمار القديم والحديث، أ خياما منتصبة بالمكان مخصصة للراحة بعد أخذ حصة من العلاج.

حفاري قبور الأحياء

كثبان تينفو تنتمي إلى هضبة درعة، التي تضم أيضا محاميد الغزلان، شكاكة، النخيلة …ويعمل محمد كمرشد سياحي في صحراء وواحات المنطقة، وأيضا هو “حفار قبور الأحياء”، فالمنطقة تحتضن أنشطة متنوعة سياحية وأيضا علاجية، رغم أنها لا توازي “مرزوكة”.  يحكي محمد عن يومياته ومدخوله : “يتجاوز مدخولي أحيانا 500 درهم في أيام الذروة، أما في الأيام العادية فكساد مطلق، ولا يتعدى مدخولي 15درهم وأحيانا لا شيء 0درهم”.

يضع محمد طريفة محددة لكل راغب في التجوال حول الكثبان، على سنام الجمال: ” للركوب مدة ساعة بثمن 50 درهم إلى 100و 300 درهم الشخص، فالثمن يحدد حسب نوعية السائح…”، وقد يقضي محمد أحيانا ثلاثة أيام في جولة عبر الصحراء، من تينفو إلى محاميد الغزلان كمرشد للأجانب والراغبين في استكشاف المنطقة أو العيش لبضعة أيام لدى بعض أسر الرحل، بل يمكن أن تمتد الجولة 15 يوما، يقوم خلالها محمد وأمثاله

“حياة الرحل صعبة”، يعلق محمد ابن “الصحراء” القادم من خلف جبل “باني” أكبر جبل بالمنطقة، حيث تقيم عائلته بعيدا عن المراكز الإدارية: “الحياة ولات صعيبة، كتعاني أسر الرحل من مشاكل كتزيد معاناتها كالنقل خاصة في حالات المرض، مع الجفاف ونقص الماء…حتى جمالنا تتضرر من قلة الماء، ونساءنا تعاني من مشاكل عند الوضع لنقص العناية الصحية بها سواء أثناء أو بعد الولادة. أزيد من 15 عائلة تعيش بمنطقة تينفو وخلف جبل “باني” العظيم.

بين الكثبان الرملية المتموجة والمنحوتات المتحركة في المشهد صحراوي الأخاذ، تنتشر واحات النخيل الصامدة في وجه أمواج الرمال وقوة التصحر. بحماس كبير وطيبوبة لا توصف، يستقبل محمد أفواجا من السياح والراغبين في الاستشفاء الطبيعي يسهرون عليه من ألفه إلى يائه وكل همهم أن يثبتوا نجاعة هذا العلاج.

محمد وغيره من شبان المنطقة يقتاتون من سياحة الجمال وأيضا من دفن الزاور الذين يعانون من الروماتيزم، بين حبات الرمل الحارقة لبضعة دقائق، قبل أن يقوموا بإيوائهم إما لساعات أو أيام.

يعمد محمد إلى إعداد “القبر” في ساعات متأخرة من الليل لتهويتها، وبعد بزوع الشمس يدعى الزائر إلى الاستلقاء في قبره حتى يتم طمره إلي عنقه فيدفن جسد السائح بحوالي 100 متر، تحجب وجهه عن الشمس، ويظل بها مدة لا تتجاوز 20دقيقة أو أقل حسب قدرة المريض على تحمل الحرارة، وقد تدوم الجلسات العلاجية أياما.

القليل يحقق سعادتهم

الجمال والماء، والنخيل…ثالوث مقدس في حياة الرحل، و “فرامل” قبائلها التي قد ترغمها على الاستقرار في مكان أو الرحيل عنه. هي كل ما يهفو إليه قلب الواحد منهم ليصبح سعيدا، حقيقة توصل إليها أحد المخرجين الروس في شريط وثائقي صور بالمنطقة، لمحاولة إثبات أننا: ” نحتاج إلى القليل لكي نكون سعداء”.

أما الخيمة فتمثل استمرارية واستقرارا بالنسبة للرحل، وتسند مهمة حياكتها للمرأة، وقد تقضي سنتين في نسج خيوطها من صوف الجمال، قبل أن يقوم الرجل بخياطتها ونصبها، فيما الماء يشكل  نضوبه في الآبار حجرة عثرة أمام استقرار الرحل في منطقة ما، بل وقد يشكل نقطة سوداء في حياة الأسر، ببروز نزاعات حول الماء، الذي هو ليس حكرا على شخص معين.

الرحل قهرتهم الحياة الصحراوية، فتحولوا تدريجيا إلى شبه رحل وفضلوا الاستقرار بمناطق أصبحت مع الوقت تشكل ” نقطة نزاع”، كما هو الحال للعديد من الأسر التي عاشت مرحلة الخيمة، لكن وبفعل الجفاف انتقلت إلى حياة البدوية، هذه الحياة الجديدة التي خلقت صراعا من نوع جديد.

محمد ابن منطقة بوخلال، يفسر سبب نشوئه بين زاوية الحنة وآيت حروش ودبدابة وهي دواوير تابعة لجماعة الرحا، وبين   قرية آيت يحيى: ” تعرف المنطقة مشكلا عويصا بسبب 40 هكتارا متنازع عليها منذ الستينات والحق في استغلالها، حيث تضم بئرا للماء قامت السلطة بزاكورة بحفره في أرض آيت يحيى لاستفادة الرحل منه، ووافقت على ذلك القبيلة لكن أغلاق البئر أدى لنزاعات وهجمات غابت عن مشهدها السلطة لتبقى القبائل متصارعة فيما بينها”.

للجمل في حياة الرحل مكانة خاصة، فهو رمز الخير وعنوان استمرارية القبيلة، وانقراضه علامة شؤم بالنسبة لها. اعتبر الجمل منذ القرن الثاني عشر ثورة في الصحراء، فوجد الرحل وسيلتهم للنقل التي قد تصل المسافات التي تقطعها أحيانا 800كلم. وسيلة يخشى عليها من اختلاط الأنساب بعد دخول أنواع أخرى أقل جودة من جهة الشرق. وتعرف تجارة الجمال تذبذبا، حيث يصل ثمن الجمل في الموسم الجيد ” 15000 درهم إلى 20000 درهم حسب النوعية،  وفي حالة الجفاف يضطر الرحل إلى بيع بعضها خوفا عليها من النفوق، وقد لا يتجاوز الثمن حوالي 5000 إلى 6000 درهم، حيث يوجد سوق للجمال بالمنطقة. حياة بسيطة يعيشها الرحل في الصحراء الواسعة، تعيش النساء حياة عادية جدا لا تخرج من نطاق الرعي، الحياكة، تربية الأطفال… هي رمز الخصوبة لا تطلب الكثير لتكون سعيدة. قد تتوزع مهامها خلال اليوم في رعي الماعز… الطبخ، تربية الأبناء…

عادات وتقاليد الزواج…مهر قليل وبذخ

نساء الرحل… تكاد تتشابه طبائعهم بل أن السمة التي تجمع غالبيتهم: الصبر والعطاء اللامتناهي. تتولى المسؤولية في مقتبل عمرها، فتقوم برعي الماعز، بل وتتكلف بحياكة الخيمة، بغزل صوف الجمل وتحويله إلى خيوط قد تستمر سنتين قبل أن تصبح جاهزة. الميزة الخاصة التي تتميز بها قبائل الرحل عن غيرها بعض الطقوس والتقاليد المتوارثة في الأعراس، والتي قد تستمر أحيانا أسبوعين، يتم خلالها ذبح الجمال والأبقار، وتحضرها القبائل المجاورة ولو دون دعوتها، وتجتمع القبائل يوم الذبيحة، للاحتفال والرقص طيلة أيام، يعتكف خلالها العروسين لمدة سبعة أيام لا يخرجان من الخيمة قبلها.

وتحرص النساء على التقيد باللباس النسائي التقليدي الأسود، والمكون من قطعتين أو ثلاث أحيانا، أما العروس فتلبس لباسا أبيض “ملحف” والفضة، وغطاء للرأس أحمر اللون، فيما قد لا يتجاوز المهر درهما، بالإضافة إلى بعض الهدايا والجمال، فمحمد لم يكلفه مهر زوجته الكثير، لكنه تكبد مصاريف عرسه التي بلغت حوالي 50000 خلال سبعة أيام احتفلت بعرسه القبائل المجاورة ورزق بعد سنة بطفله الأول.

 سعيد وهو سائق من قبائل آيت عطا إحدى قبائل زاكورة، الذي عاش فترة من طفولته حياة الرحل، لكن سوء ظروف العيش واستمرارسنوات الجفاف دفعته وعائلته إلى تغيير نمط الحياة. يسرد سعيد تدابير العرس عند الرحل بنوع من الفخر. فيقوم الزوج بعد اختيار الزوجة من طرف العائلة، بتكليف أربعة من أصدقائه يسمون ” وزرائه” ، يمنحهم بندقية وعطور هي هداياه لعائلة الزوجة، فتستقبلهم نساء عائلة العروس بالزغاريد ، فيما تشكل مجموعة أخرى ما يعرف ” باللصوص”، مهمتهم التعرض لموكب الوزراء، وفي حالة استطاعوا النيل منهم، يحصلون على خروف تعده أم العروس مسبقا لمنحه لمن يستطيع غلبة الوزراء. بعد ذلك يتم إطلاق عيارات نارية من بندقية ” طرطقة الفرشي”، ويتمكن الفائز من حمل العروس للوصول إلى أم العروس، ويخصص إفطار للفائز. في فترة المساء، يجتمع المدعوون للاحتفال فتقوم فرق الأحواش بإحياء الليلة الأولى إلى ساعة متأخرة من الليل، ليتم بعد ذلك حمل العروس إلى بيتها، بفتاة أخرى دون إثارة انتباه المدعويين بعد تغيير لباسها. ويدوم الاحتفال في منزل العريس أربعة أيام. وتحرص الزوجة على ارتداء قفطان أبيض خاص ” الحرام” والتزين بخلاخل . وفي اليوم الثاني عند الاستعداد للانتقال إلى بيت الزوج  ترتدي لباسا يكون في أحيان عديدة أحمر اللون وتاج للفضة على رأسها وخلالة تميز بين المرأة المتزوجة والعازبة.

 غالبا ما يكون المهر عبارة عن زربية أو توابل وعقود من الفضة أو التمور، ونادرا ما يتم منحها نقودا كمهر. ويوم ” الركبة”، تركب العروس سنام الجمل، بعد أن توضع عليه “الرحلة” والزربية، فيما يركب أخوها في الأمام كفأل خير ، لتتوجه إلى بيت العريس تحت ” طقطقة” العائلة سواء بالفرشي أو حك الحجر… وعند بلوغ العروس بيتها الجديد، ولإثبات عذريتها تقضي العروس حوالي ساعة فقط مع زوجها لتعودإلى الجلوس مع النساء، ويستمر الحفل. في اليوم الموالي للعرس، تقوم العروس بوضع الحناء ” عادة المشط” ويستمر الغناء أثناء جولة تقوم بها الزوجة حول منزل الزوج لطرد الأرواح الشريرة ولجلب البركة إلى البيت، شرط ألا تمس الزوجة الأرض بقدميها. من العادات المميزة للمنطقة أن العروس تحتجب لمدة يومين ، ثم تكشف عن وجهها ” إيسيتي نوغونون”، ويصبح لها الحق بعد ذلك بالمشاركة في الغناء والرقص مع الأحواش. أما العريس فيحجب بدوره ويحرص خلالها لباسا أبيض وسلهام وشاش أحمر وبلغة. أما عند انتهاء السبع أيام يلبس لباسا بلغة ممزقة أو قديمة، أما يوم ” اللبوس” فيلبس ثيابا جديدة من فرجية وسروال أبيض…

أمينة المستاري


عذراً التعليقات مغلقة