Ad Space
الرئيسية مجتمع الوجه الآخر لعيد الحب…

الوجه الآخر لعيد الحب…

كتبه كتب في 16 فبراير 2015 - 21:27

احتفل الرومانسيون أول أمس بكل طبقاتهم بعيد الحب، الذي يوافق 14 فبراير من كل سنة. ازدهرت تجارة الورد والشوكلاطة والهدايا الخفيفة في المحلات التجارية في المغرب، وفي بلدان عربية وإسلامية كثيرة لا يمنعها أصل هذا العيد وتاريخه المسيحي من المشاركة فيه والانخراط في طقوسه. وقد عجت مواقع التواصل الاجتماعي أول أمس بتعليقات وسجالات وآراء حول من يحتفل بعيد الحب ومن يرفض مناسبة القلوب الحمراء، حتى إن بعض المتهكمين على توقيت الأعياد الدينية سألوا بعضهم سؤالا ماكرا: هل نحتفل بسان فالتان مع السعودية أم مع المغرب؟

ليس الغرض من هذا التعليق الجواب عن السؤال أعلاه، ولا الانخراط في حديث رومانسي حول أفضل هدية نقدمها لمن نحب، إن كان مازال في قلوب بعضنا بقايا من حب لأحد في زمن الجفاف العاطفي وتقديس المصلحة والتلون مع الوقت مثل الحرباء. الغرض من التعليق على عيد الحب، الذي يخترق الحدود واللغات والديانات والهويات والثقافات والحضارات والتقاليد، هو الالتفات إلى أن العولمة تربح معارك جديدة كل يوم في حياتنا، وأن الأمم والشعوب والحضارات والدول والمجتمعات تقترب من بعضها البعض كل يوم كما لم يقع في كل التاريخ الماضي. في السابق كان الناس حبيسي أربعة عوائق تمنعهم من التفاعل والاختلاط والتأثير والتأثر وهي: الحدود الجغرافية، واللغات، ووسائل الاتصال، والثقافات المحلية.. اليوم كل هذا سقط أو يكاد. كيف ذلك؟

الحدود الجغرافية وإن بقيت فوق الخرائط وفي سجلات الأمم المتحدة فإنها لم تعد حدودا تعزل البشر في الشمال كما الجنوب. اليوم هناك حوالي 750 مليون إنسان يعيشون في دول وقارات ومجتمعات لم يولدوا فيها، ويقول الخبراء في الهجرة إنه بحلول 2050 فإن مليارين من البشر سيختارون العيش والتنقل بين أكثر من دولة وقارة ومجتمع، أي أن الحدود ستسقط من أمام ثلث البشرية مستقبلا.

كانت اللغات في السابق أدوات عزلة بين الشعوب، وأسوارا تحجب الأفراد عن بعضهم البعض. الآن الأمر لم يعد كذلك، صار تعلم اللغات من ثوابت أنظمة التعليم الحديث في كل البلدان، وأضحت الإنجليزية لغة عالمية تدرس في الصين والهند والرياض وطهران وإفران وعواصم إفريقيا، أما الترجمة بكل أشكالها فاتسعت حتى أصبحت محركات البحث على النيت تقدم أكثرها كل يوم. صار العربي يلتقي الإسباني في شنغهاي ويتحدثان بالإنجليزية عن صفقة في أمريكا اللاتينية يوردها صيني عن طريق شركة نرويجية بلا إشكال.. أما الأفلام والمسلسلات والبرامج التلفزية، فإنها جعلت من كل اللغات الحية أصواتا مألوفة في كل البيوت.

وسائل الاتصال هي الثورة الثالثة التي تشهدها البشرية بعد ثورة الكتابة والصناعة. صار الهاتف والإيميل والسكايب والنيت… وسائل ربط متطورة ورخيصة وسريعة بين البشر على امتداد هذه الأرض. أنهى الأنترنت حكاية فارق الزمن في الاتصال، وأصبح التواصل يجــــري في الوقت نفـــــــــــسه، أو مــــــــــا يسمى le temps réel. هذا ليس تطورا تقنيا ولا ربحا للوقت.. هذه ثورة بكل ما للكلمة من معنى.. القطيعة مع السابق والتحول الجذري والتغير الكلي في الأوضاع والقيم والسلوكات والثقافات (كل دقيقة تمر توضع 30 ساعة من المادة المصورة على اليوتوب من طرف مواطنين من كل الثقافات واللغات والأديان، وتصبح متاحة أمام الجميع بضغط بسيط على ثالث أشهر موقع بعد غوغل والفيسبوك). في المغرب الحزب الأول هو الفيسبوك، حيث انضم إلى الجمهورية الزرقاء 7 ملايين مغربي إلى حد الآن، ويوميا الذين يسجلون في هذا الموقع أكثر من الذين يسجلون في اللوائح الانتخابية، وعلى هذا الجدار العجيب يعبر المغاربة عن آرائهم ورغباتهم وغضبهم وفرحهم ومشاكلهم أكثر مما يفعلون في بيوتهم أو مكاتبهم أو مدارسهم أو مقرات عملهم…

أما الثقافات المحلية فصارت عالمية، صار الناس في تمبكتو يأكلون السوشي الياباني، وصار الأمريكي في نيويورك يأكل طاجين والكسكس المغربي، والإسباني يعشق المطبخ الهندي، وهكذا صارت الموسيقى عالمية، والفن كونيا، والأدب عابرا للحدود، واللغات والأديان على تماس بينها، وكذلك الجهاد صار عالميا، والتطرف كونيا، والإرهاب multi national…

العولمة عملة من وجهين تحدثنا عن الإيجابي فيها، أما السلبي فهو تقسيم العالم إلى مستهلك ومنتج، وإلى قوي يزداد قوة وتأثيرا وهيمنة، وضعيف يصير أكثر هشاشة كل يوم. العولمة حولت الإنسان من مواطن إلى مستهلك. المواطن يختار أما المستهلك فيدفع.. المواطن له رأي أما المشتري فله حاجة.. المواطن يقرر، أما المستهلك فيخضع.. المواطن يحدد قوانين السوق أما المستهلك فيصير عبدا لقانون السوق.

حولت العولمة الدول من كيانات قائمة على قوانين ومشاريع ورؤية للعالم، إلى أسواق وتجارة وأرقام.. العولمة أعلت من قيمة الغريزة وأنزلت من قيمة العقل، والأخطر أن السوق يربح والديمقراطية تخسر.. الشركة تتوسع والقانون يضيق.. التواصل يزداد والاختلاف ينقص.. القوة صارت شرعية الأمر الواقع، ولهذا يزداد العنف ويزداد الإرهاب، وتتوسع رقعة الحرب في زمن العولمة، لأن الحرب هي الجواب المنطقي عن اختلالات العالم. الحروب لا تشتعل إلا عندما تنطفئ مصابيح الأخلاق والسياسة والعقل والقانون والعدالة والتوازن…

توفيق بوعشرين

مشاركة