Ad Space
الرئيسية اراء ومواقف هنيئا لنا بحليمة …

هنيئا لنا بحليمة …

كتبه كتب في 26 ديسمبر 2014 - 23:50

… و أخيرا قطعنا عنق التخلف وأقمنا بيننا و بينه  و للأبد حدودا فاصلة بالكهرباء و الأسلاك الشائكة، أخيرا يحق لبلادنا أن تفتخر لأنها اهتدت على مدى ردح من الزمان إلى إيجاد امرأة تجيد صنع اللقم، أخيرا صرنا في مصاف الدول الكبرى لأننا اكتشفنا بأم أعيننا أن بين ظهرانينا امرأة تجيد خلط البيض بالحليب و الدقيق بالسكر لتصنع طبقا يختبر مدى حلاوته  “موحى” و أصدقاؤه الأربعة ليصفقوا من لذة الحلاوة أو يشمئزوا من مرارة المذاق…

أخيرا خرج من بين ملايين المغاربة شخص يستحق أن نقف له كل يوم كما نقف أمام العلم الوطني بداية كل أسبوع، و إن اقتضى الحال و سمحت الظروف نرفع أكفنا كما لم نفعل أمام العلَم و ندعو لحليمة بآيات الشكر و الامتنان بعد أن أوصلتنا إلى هذه المرتبة المشرفة بين الأمم، كيف لا نفعل وقد حبانا الله بموهبة سقطت علينا من السماء كما تسقط أمطار الغيث في موسم عليل؟ أفلا تستحق الثناء و التمجيد؟ اسمحوا لي … إن بيننا امرأة ليست ككل النساء؛ امرأة ليست على شاكلة “ماري كوري” أو حتى على شاكلة ما تغنى به “نزار قباني” أو “كاظم الساهر”، إنها امرأة بدور و أهمية أعتد شركات التكنولوجيا تقدما، فقط الأخيرة تصنع “الرونو” مثلا و حليمتنا تصنع “الماكلة” و لا شيء غير “الماكلة” …

أخيرا يحق لنا أن نتحدى اليابان التي فرّخت مئات من النساء اهتدين إلى اكتشافات مذهلة صنعت مجد الإمبراطورية اليابانية؛ المجد لنا لأننا لم نكن في حاجة إلى مئات النساء لنبرهن للعالم أن مهد العظمة هنا في أحضان المملكة، وجدنا امرأة و لله الحمد ترفع المجد بحذافيره نيابة عنا على كتفيها و تحلق بنا في سماء العلى ليس بالعلم و الابتكار إنما بشريحة لحم و قطعة عجين…

أخيرا قُدر للوطن أن يفتخر بإنجاز مذهل وقفت له عقارب الزمن، و شد إليه الأنظار و بثته القناة الثانية و جعلته عنوانا بارزا لأهم الأنباء الكونية، و لم تكتفي بذلك إذ استضافت مديرية أخبارها “الرائدة حليمة” لأخذ ارتساماتها حول هذا الانجاز العظيم، كما تفعل شبكة “س إن إن” عندما تستضيف عالما تفتقت عبقريته و قادته إلى براءة اختراع.

أين كنا؟ كيف نمنا كل هذا الزمن و غفلنا على مثل هذا الحدث الجلل الذي لا يوازيه سوى “الثورة الصناعية في أوروبا”؟ كيف يحق أن يغمض لنا جفن بعد الآن؟… كل المستقبل الآن أمامنا و أبواب التقدم و الرقي التي كانت مفاتيحها ضائعة هي بمعية حليمة، فلا خوف علينا و لن نضل الطريق أبدا بعد الآن؛ فإن كانت فرنسا وجدت طريقها نحو ترسيخ العدالة في ” سارتر” و بنت امبراطوريتها على مجد “نابليون” و أصلت لهويتها الثقافية مع “موليير”  فنحن وجدنا كل ذلك مجتمعا في امرأة واحدة اسمها “حليمة”، لذلك ضاهى الاحتفال بها احتفال عيد المسيرة…

أخيرا يحق لنا أن نفتخر بإعلام عمومي متميز، يقتفي في نشراته الإخبارية آثار الأحداث التي يعج بها الوطن من شماله إلى جنوبه، فهذه الأيام ما من شيء “يدور” في الوطن الذي ينعم في سكينة أبدية و هدوء شامل لا تكسره سوى ارتطامات أواني مطبخ حليمة، لا شيء .. فقد توقف الوطن، لا بل غظ في قيلولة ناعمة ليفسح المجال لحليمة الحدث، أما أحداث المواجهات الدامية التي اندلعت بين قبيلتين بإقليم كلميم مثلا فشيء ثانوي لا يستحق عناء إدراجه ضمن نشرات الأخبار و لا يصل في لذته و أهميته إلى طبق حليمة…

أخيرا … حليمة هي الحاضر و المستقبل و لو ظهرت قبل قرن لكانت الماضي برمته و لمسحنا بجرة ممحاة كل أحداث و تاريخ الوطن إلا حليمة نمجدها و نفتخر بها و نُدَرسُها لأبنائنا عوض “عبد الكريم الخطابي” الذي لم يفعل شيئا سوى أنه حقق الاستقلال للوطن، أما حليمة فهي الاستقلال عينه و بين مقادير سَلطاتها و في جوف معكرونتها سيسبح المغرب إلى عالم مشرق لا يضاهيه عالم…

قبل عقود من الزمن، اكتشف العالم نهمنا بالأكل عندما فتشنا في سجل هويتنا و حضارتنا فلم نجد شيئا يستحق التخليد غير “قصعة من الكسكس” نُصِبت و مُلئت و صُورت ثم أُكلت، فهللنا و أطلقنا زغاريد النجاح كما لم تفعل إمارة دبي عندما افتتحت برج “خليفة”، و ما كاد يلتقط العالم أنفاسه حتى عدنا إلى الأرقام القياسية من جديد حاملين شعار “ما طاب رقم قد خلا من طعام” فنصبنا مقلاة بحجم البيدر في مراكش و “طلعنا” في نشرات الأخبار بأكبر “أومليط” هي الأخرى نُصبت و مُلئت فصُورت و بطبيعة الحال أكلت، و عملا بمبدأ التغيير فقد قررنا هذه المرة أن نحتفل لا بالمأكول بل بمن طبخ و في المرة المقبلة بمن أكل …

لسنا وحدنا من ينتج مثل هذه البرامج، فأصل “ماستر شيف” بالتحديد يعود إلى التسعينيات من القرن الماضي، و هو برنامج ترفيهي إنجليزي تنتهي حكايته بانتهاء حلقة البرنامج على الشاشة، أما في نسختنا المغربية فالبرنامج لم يشأ أن تسعه استوديوهات الدار البيضاء فنط إلى نشرة الأخبار و زاحم الأنباء الدولية فاختلط اسم حليمة بالرئيس “السبسي” و امتزجت وصفاتها بقنابل تنظيم الدولة الإسلامية، حتى ما عدنا ندري هل نتابع نشرة إخبارية أم فيلما كوميديا ل”مستر بين”، لدى أولئك “ماستر شيف” لا يعدو أن يكون برنامجا للترفيه، أما هنا فقضية رأي عام و حكاية وطن في تطبيق جلي لمعنى الضحك على الذقون..

هنيئا لنا بحليمة، و أعاد الله علينا أمثال أمثالها بالتقدم و الرقي و التنمية، و سامح الله القناة الثانية، التي تأخرت في إخراج حليمة إلى الوجود لتعم الفرحة و تزول النقمة، و جازى الله مسؤوليها بقدر ما تحلوا به من حكمة، و ما كنوه لنا من احترام و أسدوه لنا من خدمة، فبفضلها تعقلنا و اتحدنا و صرنا قوة، و تقدمنا و ازدهرنا فصرنا قدوة، فلا حرمنا الله منك أيتها القناة الثانية، و تقبل الله حجك يا حليمة …

بقلم: إدريس ورزكن

مشاركة