Ad Space
الرئيسية اراء ومواقف كــنوز القــــبور

كــنوز القــــبور

كتبه كتب في 22 ديسمبر 2014 - 15:11

مر أسبوع بالكامل لم تتوقف فيه الأمطار، فأضحت خيطا مستقيما ينزل من السماء. عواصف رعدية تقصف الأرض ومن عليها، تعصف بالأشجار والأحجار، مرت ليالي قاسية، باردة ومقرفة على ساكنة الدوار. لأول مرة في تاريخ البلدة النائية الصغيرة لم تخرج النساء من الديار في الصباح الباكر لتفقد الأرجاء والاستعداد للأشغال اليومية. بدورهم الرجال لزموا البيوت وأرجلهم تحت الأغطية، منكمشون، منزوون في الزوايا، يتناوبون على المبخرة. لم يلتق الناس، ولم تعد الجلسات بجانب الجدران تؤثث المشهد المسائي للدوار. ولم تعد الصلوات الخمسة تقام جماعة بداخل “تالمقصورت” في مسجد صغير متكأ على شجرة أركان ضخمة، يقال إن عمرها يزيد عن خمسة قرون، الجميع من في البلدة يقدسون هذه الشجرة. حتى – الطالب –الفقيه لم يعد قادرا على الأذان.
شدة البرد وتهاطل الأمطار باستمرار دون انقطاع، شل الحركة وجمد الدماء في العروق. لا صوت يعلو على صوت العواصف وصفيرها الذي يزعزع هدوء الليل، فاضت الأرض وساحت السيول تجرف الحصى وما تبقى فوق السطح… الوادي الذي يمر وسط الدوار أصبح يهدد المنازل، إنه الرعب الحقيقي الذي باث يخيف الأحياء، أما الأموات فإن المقبرة هاجمتها المياه وشتتت عظام جثث الأرواح تشتيتا، وأدخلت الفزع إلى قلوب الناس، الذين لم يعهدوا على مشاهدة الجماجم وعظام البشر بجانب الوادي أو في المستنقعات التي تخلفها عادة الأمطار.
هذا المطر الذي لم تمطر السماء مثله في التاريخ، حسب ما يرويه الشيوخ، جعل بعض النساء يتحدثن ويهمسن فيما بينهن على أن هذا الشتاء غير عادي بالمرة، ربما شارك فيه الجن، لأنه لم يترك لا الشجر ولا الحجر ولا البقر. أمور عجيبة طرأت وطرائف غريبة حدثت… الناس يطلون من شرفات منازلهم ويصيحون “لا حول ولا قوة إلا بالله”؛ “حسبنا الله ونعم الوكيل”.
دخلت البلدة في أسبوعها الثاني والسماء لم تودع قط غيومها وزمهريرها، زخاتها رعدية ممطرة ومخيفة. الدوار محاصر من كل الجوانب، الناس فقدت مخزونها من الغذاء كالزرع والدقيق. التجأت بعض الأسر إلى الشريحة وبعض المواد اليابسة التي اعتادوا خزنها في فصل الخريف.
وفي صبيحة مشحونة، بدت خيول وفرسان تحاصر الدوار. تقدمت مجموعة منها إلى وسط البلدة، يتقدمها مقدم الحركة قاصدين المسجد.. اعتقد الكل أنها بشرة خير، ربما فكر فيهم المخزن وأرسل إليهم قواده وممثليه لتفقد الأرجاء في هذا الوقت العصيب. أمر القائد مخزني باستدعاء مجلس الجماعة، فردا فردا. حين وصلوا وجدوا فقيه المسجد مكتوف الأيدي وعلامة التعذيب بادية عليه… القائد جالس وسط المسجد وخدامه يفتشون “تاخربيشت” غرفة الفقيه، يتقاذفون بممتلكاته وملابسه…ازداد الرعب رعبا في نفوس الجماعة. ماذا جرى؟ ما هذا العنف والهجوم على بيت الله؟
تشجع أحد أفراد “الجْمَاعْتْ” واستفسر القائد عن هذا الهجوم والغاية منه في وقت تعيش فيه البلاد نكبة حقيقية، على مشارف مجاعة ربما سيصاحبها وباء أو طاعون… وقف القائد من مكانه منزعجا من طريقة كلام هذا البدوي الذي خرق قواعد البروتوكول. وقال بعنف وشدة :
لقد قمنا باعتقال الفقيه بعد أن رفض الاعتراف، وسنقوم بإرساله إلى “الدار الكبيرة”، وأنتم عليكم بدفع كذا وكذا ضِعْف ما كنتم تدفعونه في الأعوام السابقة، وستضيفون الحْرْكَة لخمسة أيام أخرى..
ألا ترون أننا نعيش مآساة حقيقية ولم يعد لنا ما نسد به رمقنا، شيوخنا وأطفالنا يموتون جوعا وبردا…لا حول ولا قوة إلا بالله. ما تطلبونه منا مستحيل وعليكم بإطلاق سراح فقيهنا، هو مجرد طالب مسكين..
أمر القائد عساكره وخدامه بالانصراف، ومعهم فقيه الدوار مكتوفا ومكبلا… وتركوا مجموعة من العساكر محاصرين الدوار لمد 5 أيام…
في مثل هذه الحملات العقابية إلى القبائل لا يكثر فيها الكلام والشرح، تنفذ المهمة بسرعة وإحكام ويتم الانصراف، وذلك فيه نوع من الترهيب والتخويف، هو شكل من أشكال الحفاظ على هبة “قواد المخزن”. لا أحد يعلم سبب هذه الحملة، وبقي لغزها يحير كل من في البلدة… لماذا كل هذه القساوة والكتمان؟
بقي سكان الدوار في حصار تام من جهة الطبيعة ومن جهة العساكر المطوقة لهم. حتى يتم استكمال التحقيق الذي باشره جواسيس متخصصون في التحري، ينتقلون بين البيوت ويجمعون الأخبار.. على ماذا يبحثون ؟
أحد هؤلاء الجواسيس أسر لشيخ من الدوار، أن المخزن قام بهذه الحركة الفجائية بعدما وصلته أخبار تفيد أن الوادي الذي يقتحم الدوار جرف معه “لويزات” من الذهب ومجوهرات نفيسة، وبعد التحريات عُلم أنها من كنز كان مدفونا بالمقبرة المجاورة للمسجد جرفته السيول…وبسبب ذلك اعتقل فقيه المسجد.
انكشف الخبر وغضب المخزن غضبة شديدة وحاصر البلدة وعاقب أهلها جماعيا، واستغرب الناس وتعجبوا من الأمر، فما ذنب الفقيه في كنوز القبور التي جرفتها مياه الوادي؟ وما دخل أهل البلدة في ذلك؟
اجتمع “ايت ربعين” على عجل، واتفق الجمع على رفض أداء الضرائب القديمة والجديدة للمخزن، وتعليق كل أشكال الحوار والتعامل مع ممثليه وقواده… إلى أجل غير مسمى.

عبدالله بوشطارت

 

مشاركة