مقتطف من رواية أجنحة قرمزية

وإذا كان هناك من يحب تأكيد وعيه بالفوضى؛ فهي أنا التي تمكنتُ من التغلب معنوياً على كل عقبة قد تقف في طريقي، لأنني ورثت عن جدودي كك مزايا الإناث الفوضويات، ورثت عنهم التهور، وسداد الرأي، والتحدي، والثورة والإذعان معاً؛ وأكاد أنفجر دماءً في حالة غضبي. هذا الخليط العجيب من المتناقضات الصارخة هو الذي أخذ يرسم لي “بورتريه” بإتقان ودقة، وليس صورتي الشكلية المنعكسة على المرآة. ذلك هو ما يميزني. وهكذا تضببت في عيني صورة أستاذ الفلسفة الأنيق، حتى اضمحلت، ولم يبق منها في الذاكرة، إلا شيء قليل…
باختصار، ضاع مني جزء هام من قسوتي، وصرامتي، وأيضاً من شفقتي. أخذت أقارن بين التجربتين: امتحان مدرسى سقيم أُعطي له من الجهد فوق الطاقة، وتجربة كنت أتخبط بين نارها المحرقة اللامتناهية: شعور، وإحساسات أخرى كانت تنتابني عن حبيب مفترض. قلت:” لابد أن أنسى، وأن أبدأ حياة جديدة ، أن ألغي أوهام المرآة، وتهاويلها”!
ومن ثم، قررتُ أن أجترح لنفسي أسلوباً آخر غير أسلوب الخنوع، والذل، والاسترضاء، خوفاً من عقاب الازدجار الذي أتوقعه من قساة لا يرحمون بشراً قد تضطره الظروف للوقوع في شباكهم.
أقنعتُ نفسي أنني أصبحتُ بدوري في الأوج، أنثى مغمورة تتمكن من الإعلان عن نفسها، كأنما كسرتْ أغلالاً تاريخية لصيقة. آن الأون لكي أخرج من قوقعتي! لا يد لي من المرور عبر الحشود. شئ ما، يحدث هنا، أوهناك، غير بعيد عن الحي.
لكنْ؛ هل أنا كذلك حقاً؟ هل تخلصت من كل مخاوفي؟ ومن حسن حظي أو سوئه، أن كبارنا في “المدينة” منشغلون بجزئيات، واغتنام فرص قد لا تعوض، ولكنها في نظري، غير جديرة بالاهتمام. أنا في شغل بما يمليه عليّ القلب، متيقنة ٌ أنني لن أدرك كل الطموحات المتضاربة. الناس حولي تحسب عيونهم خطواتي، وحركاتي، وسكناتي، فيما يخيل إلىّ أن بعضهم يعاني من بلاهة مركبة. صارت “البوابة الكبيرة” في “المدينة” متسعا لأحلام كثيرة، في وسط كريه للغاية، تلتهم الشمس فيه والرطوبة بنهم، أجساداً هائلة، وعضلات مفتولة، غارقة في ظلال الانتظار. صفقت قلوب، وتعالت هتافات حناجر، ونصبت منصات في كل مكان. كانت الأصوات تتقاطع مع استغاثة المجاذيب؛ حياة ميؤوس منها تماماً، لولا رجال أشداء… لم أكن لأغمض عيني عن تمزقات تاريخية مباشرة؛ فالهمّ، والعناء، يتقاسمهما الناس في كل مكان.
تروي بايا عن مشاهداتها عياناً وعن ما أجمعت عليه نساء الحي:” “الرجال الأشداء” يتوارون عن الأنظار تجنباً للعين الثالثة، لا أقل ولا أكثر”. هناك، في الضفة الأخرى منصات هتافية يسترسل دبيبها في أوصال المهمشين؛ والسواد الأعظم: يصفقون بدون تحفظ، ينددون، يقتاتون من دمائهم في حماس لا مثيل له، يجوعون ليتكرموا على غيرهم مما ادخروه من نبل العواطف والشهامة، ينصتون إلى الزعيم كل سنة بخطبة رنانة كتبت له، ظلام فوق ظلام، زعيم لا يريد أن يرحل إلاعند الموت.
كان أصحاب العضلات في الظل يتداولون في بعض مأثورات من حديث رؤساء المعامل الأجاتب، بعد إضراب أفشلته الاتصالات النقابية التي “باعت الطرح، بالجملة، والتقسيط”. قال لهم أحد الباطرونات” باستهزاء صارخ: – نحن الذين نتمتع بالحرية، لا أنتم، ما دمنا نتحكم في خبزكم اليومي. ثم يلي ذلك ضحكته الماكرة: – الزعماء فوق، وأبناء السافلات تحت، فنحن ففوقهم جميعاً! وتشرق الشمس، وتغرب في ملك الله، وهكذا دواليك…
ذات صباح، استفقنا أنا ودادا بايا على صوت المذيع يحث الناس على الذهاب إلى مكاتب الاقتراع. لن أحترم قانون المرور، نظراً للطبيعة التي ورثتها عن أجدادي، بحيث أتمكن من التغلب على كل تلك الحثالات التي تظن أن الناس أصفار على اليسار. يصبح الناس هناك، ويمسون على مشهد متقهقـر: حملات انتخابية يتشقشق أصحابها بكلمات مبتذلة، يهاجم بعضهم بعضاً. في حين ظل المذيع بدوره يهاجم أعداء الوطن على امتداد الجهات الأربع، يخوض في حديث مبتذل، وممل، بينما تتسلسل حاجات الحشود، والمذيع الغبي غائب عنها كلياً، يعيش في كوكب آخر، خارج التاريخ ، يثرثر في إحدى العمارات الحكومية بإنشاء تلميذ من نجباء خامس ابتدائي. تساءلتُ غير ما مرة: “من هم أعداء الوطن” ؟
كانت زبيدة تسألني في المنتزه العمومي:
– أنت من الأغلبية الصامتة؟
– أنا لست صامتة. وعقبتُ على الفور:
– لم أتحول إلى صفر على اليسار، لأنني لم أنتخب بشراً لا يدرك معنى المسؤولية وعواقب التزوير.
هتفتْ في اغتباط حيوي:
– ما في هذا البلد أمثالنا: استرحنا واستراح المزورون!
ثم قبلتني بحماس.وكنت فيما قبل، أستبعد أن أكون صديقة لأحد…
…وينبعث صوت المذيع مجدداً من الترانزيستور الياباني يقطع حديثنا، يتأتى في كلام نحويّ، سليم الإعراب، يحث على المشاركة. هززتُ كتفيّ استخفافاً بينما علقت زبيدة:
– شاهد زور غير مصنف! هل تفهم بايا مثل هذا الموقف؟ أظن، لا أظن. هل تفهم أن البداية تنبئ بالإفلاس؟ أدري، لا أدري.
اندثرت تلك الأيام بدورها شيئاً فشيئاً…
دون أن أبحث عن العزاء، انبثق حلم طفولي تدريجياً في سذاجته، امتد عبر أوهام الأجنحة المقصوصة، ليمتزج بالفناء، ويتقاطع مع استغاثة مجذوب الحي: ” العطفة يامولاي إدريس” ! تخيلتُ أن المراحل التي قطعتها أرجعتني مرة أخرى إلى بداية الطريق، وأن عليّ أن أقطع بقية المراحل بشجاعة؛ وإن اقتضى الأمر، فسأسيح في الأرض مثل بويهمية من الغجر التائه. قلت:” فلأبدإ الرحلة”!

22-11-2011 | 7 vues