أبناء يفارقون الحياة و آخرون يحملون تشوهات ثمنا لخلافات الآباء

سوس بلوس
أخبار المجتمعالرئيسيةوطنيات
6 مارس 2014
أبناء يفارقون الحياة و آخرون يحملون تشوهات ثمنا لخلافات الآباء

يتجاوز الصراع بين الزوجين حدود تبادل العنف اللفظي والجسدي فيما بينهما، ليصل إلى اعتداءات جسدية تطال الأبناء بقصد التنفيس عن الغضب الذي يعيشه الشريكين تحت سقف واحد، وفي بعض الأحيان قد تتطور هذه الاعتداءات إلى حد إزهاق روح الأبناء في حالة هيجان غير محسوبة العواقب.

«لقد حاول مرارا الحصول على موافقتها من أجل السماح له بالزواج من امرأة ثانية، لكنها أصرت على موقفها الرافض، وهو ما جعل العلاقة بينهما تتوتر لدرجة لم تنفع معها كل محاولات الصلح» تقول إحدى الجارات التي عاينت المأساة الأسرية التي عاشتها منطقة دار بوعزة خلال الأسبوع الأخير من شهر يناير.

يطعن ابنه حتى الموت

أصبحت المشاجرات بين الزوجين حديث الجيران الذين انقسموا إلى صفين، بعضهم حاول ثني الزوج عن قراره في الارتباط بثانية، و أخرين أخذوا على عاتقهم محاولة إقناع الزوجة بوهب موافقتها لشريكها حتى يعود الاستقرار للمنزل، لكن تعنت الزوجين وتمسك كل واحد برأيه جعل الأمور تسوء أكثر.
قرر الزوج البحث عن أسلوب إقناع بديل بعد أن فشل أسلوب الاعتداءات اللفظية والجسدية في انتزاع موافقة الزوجة، ليشهر في وجهها ورقة “الضغط الاقتصادي»، « لقد تنصل من كل واجباته، وحرمها من المصروف لترضخ لرغباته» تقول إحدى الجارات.
زادت عصبية الزوج بعد أن فشلت خطوته الثانية في الضغط على زوجته، وذلك بسبب ابنه الشاب البالغ من العمر 22 سنة، والذي أخذ على عاتقه مهمة الاهتمام بالبيت وتلبية طلبات والدته من باب البر بها بعد أن ضيق عليها الزوج.
لم ترق هذه الخطوة للأب، الذي شعر أن ابنه يحول دون تحقيق مبتغاه، « عندما كان يعود للمنزل من أجل انتزاع موافقتها، كانت تخبره بأنها لم تعد بحاجة لدعمه المادي، لأن ابنها أصبح بمثابة رجل البيت الذي تعول عليه .. كانت كتقول ليه غير سير أنا عندي ولدي اللي يصرف عليا .. وهاديك الموافقة هي اللي عمرك مغادي تحلم بيها» تقول إحدى الجارات التي لم تستغرب سلوك الابن الشاب في البر بوالدته، لكونه صاحب سمعة طيبة يشهد بها كل الجيران والمعارف.
لم ترق تصرفات الابن لوالده الذي استبدبت به رغبة الزواج من ثانية، ليقرر في لحظة غضب تسوية الأمر على طريقته، ليتسلل إلى الغرفة التي ينام بها ابنه الشاب الذي ولج البيت طلبا لبعض الراحة، دون أن يخطر في باله أن غفلته ستجعله تحت مرمى مجموعة من الطعنات المتوالية من السكين الذي كان بيد والده، لتتعالى صرخات الأم طلبا للنجدة بعد أن سمعت صوت زوجها الهستيري خلال طعن ابنه النائم، « هاهو الراجل اللي نتي ضاسرة بيه .. » !! ليفارق الابن الحياة كضحية لصراعات والديه

تخنق طفلتها للتنفيس عن غضبها

«لقد كان بمقدوري أن أتخيل أي شيء .. باستثناء انتهاء الأمور بهذه الطريقة المأساوية» تقول صفية خلال حديثها عن النهاية المأساوية التي عاشتها جارتها وصديقتها المقربة التي كانت تعاني من نوبات عصبية بسبب توتر علاقتها الزوجية.
لم يكن الأمر يستحق ردود فعل من ذلك الحجم حسب رأي صفية، إلا أن نفسية جارتها الهشة كانت تدفعها للمبالغة أمام أي مشكلة تواجهها، وغالبا ما كانت الجارة تعمل على معاقبة طفلتها دون سبب من باب التنفيس عن غضبها.
استفاقت صفية على وقع صراخ زوج جارتها الذي كان يحمل طفلته بين ذراعيه ويركض باتجاه باب العمارة، «لم يجاوبني عندما استفسرته عن الأمر، لذلك توجهت إلى شقته ووجدت جارتي في حالة ارتباك كبيرة، أخبرتني أنها لا تعلم ما حل بابنتها التي خرجت من الحمام في وضعية غير طبيعية، لتخلد إلى النوم بعد أن أصبح لونها شاحبا» تقول صفية التي لم تشك للحظة في كلام جارتها إلى أن فوجئت في اليوم الموالي بالشرطة تقتحم العمارة، بعد أن أكد الفحص الطبي أن الطفلة قد فارقت الحياة بسبب تعرضها للخنق.
بعد التحقيقات تمكنت الشرطة من انتزاع اعتراف الأم المرتبكة التي أقرت أنها خنقت طفتلها دون نية القتل، لتقرر اختلاق قصة خروجها من الحمام في وضعية مرتبكة حتى يظهر موتها وكأنه مجرد حادثة خوفا من الوقوع في المشاكل ..

تحرق طفلتها بالماء المغلي .. انتقاما من الزوج

«هناك بعض الزوجات يمتلكن مخيلة خصبة للبحث عن حلول لمشاكلهن الزوجية، بطريقة قد لا تخطر على بال أحد» تقول رقية التي تعمل في أحد مراكز الاستماع. تعودت رقية على كسب ثقة زائراتها، هو ما يجعل بعضهن يبحن بأسرار قد لا يتمكن من كشفها في أماكن أخرى.
لاحظت رقية أن إحدى المترددات على المركز تعاني من ارتباك كبير في سلوكاتها وأقوالها، «كانت ترغب أحيانا في العودة إلى زوجها، وأحيانا أخرى كانت تطالب بالطلاق، لأنه يعتدي على أطفالها بالضرب وفق ما كنا نعاينه .. إلا أن لقائي مع زوجها جعلني أرتاب في روايتها لأنه كان جد هادئ، وكثير التعلق بأطفاله، وهو ما جعلني أطلب منها أن تسمح لي بالحديث مع أطفالها على انفراد» تقول رقية التي اكتشفت أن آثار الضرب على جسد الأطفال يحمل توقيع والدتهم.
قررت رقية مواجهة الزوجة المشتكية، لتعترف لها أنها من يقوم بتعذيب أطفالها كنوع من الانتقام من زوجها لشدة تعلقه بأطفاله، حيث كانت تعمل على حرقهم من خلال صب الماء المغلي على جزء من أطرافهم، أو حرقهم بواسطة سكين حتى يبدو الأمر حادثة عرضية، وهو ما يشعر الزوج بالكثير من الألم بسبب تعلقه بأطفاله.
«لقد كانت ترى أن شعوره بالألم يوازي شعورها بالغيرة التي تعيشها بسبب خياناته المتكررة لها، على الرغم من أنها لا تملك أي دليل مادي على هذه الخيانات، وهو ما يجعلهم في معاناة شبه يومية بسبب كثرة الشجارات» تقول رقية التي أشارت أن الطفلة البكر كانت أكثر المتضررين من عنف الأم بسبب حرق بليغ على مستوى الذراع، مما سبب لها تشوها قد يرافقها مدى العمر ..
حماية الأسر من نهايات مأساوية بحاجة إلى تفعيل دور مراكز الاستماع

«أحيانا تحتاج بعض الزوجات لمن يساعدهن على حمايتهن من أنفسهن بالدرجة الأولى، قبل توفير الحماية لهن من الزوج» تقول الباتول شخمان المسؤولة عن مركز الاستماع بالاتحاد الوطني النسائي المغربي تعليقا على بعض الحالات التي تنتهي بمأساة أسرية يدفع الأبناء ثمنها.
وترى الباتول أن تخبط الأسر في مشاكل قد تنتهي باعتداءات جسدية تطال الزوجة والأبناء، مرده إلى الفشل في تشخيص أسباب العنف الممارس داخل الأسرة، سواء كان عنفا لفظيا أو جسديا، ويعود هذا التخبط بالدرجة الأولى إلى غياب الوعي، أو وجود مشاكل تربوية عانى منها أحد الزوجين أو كلاهما خلال فترة الطفولة، مما أثر على نفسيتهما، « لذلك نجد أن هناك بعض الزوجات قد يتعنتن في معالجة مشاكلهن مع الأزواج دون أن يكون لهن علم بأنهن يساهمن بطريقة أو أخرى في خلق نهاية مأساوية لحياتهن، لأنهن لا يجدن تشخيص الاختلالات التربوية والنفسية التي يعاني منها الأزواج».
شخمان أشارت أيضا إلى أن الصمت التي تتبناه الكثير من الزوجات كطريقة لإخفاء مشاكلهن الأسرية التي تتعمق دون أن يدركها المحيطين لحين استيقاظهم على وقع مأساة أسرية قد يذهب ضحيتها أحد أفراد الأسرة، مرده غياب الثقة في وجود جهة لها القدرة على الاستماع والتكتم على السر، أو الاستماع وإبداء المشورة من أجل الوقوف على الحل المناسب، « ومن هنا تأتي الحاجة إلى ضرورة تفعيل دور مراكز الاستماع، وتقريبها من الأسر داخل المناطق المهمشة، والأحياء الشعبية، لتشجيع الزوجات على البوح بمشاكلهن، ومساعدتهن على إيجاد الحلول المناسبة التي تعيد للأسرة استقرارها، قبل أن تتوالد المشاكل لتنتهي باعتداءات قد تطال الزوجة، أو أحد الأطفال» تقول شخمان التي ترى أن هذه الخطوة الوقائية متاحة بسبب تواجد عدد من جمعيات المجتمع المدني الناشطة في المناطق المهمشة، والتي تحتاج لدورات تدريبية تمكنهن من تشخيص طبيعة المشاكل التي تعاني منها الأسر بطريقة احترافية، لتجنب عدد من المشاكل، بالإضافة إلى نهج سياسة وقائية من خلال تكثيف حملات التوعية حول الطرق السوية التي يمكن للأزواج اعتمادها من أجل تجاوز مشاكلهم بطرق سليمة، أو أخذ قرار الانفصال بطريقة واعية مع الأخذ بعين الاعتبار تبعات مثل هذه القرارات الحاسمة.

سكينة بنزين

عذراً التعليقات مغلقة