‎ الما والـعواد والـرزق عنـد الله!

سوس بلوس
أخبار المجتمعالرئيسيةوطنيات
28 فبراير 2014
‎ الما والـعواد والـرزق عنـد الله!

لكي تنجح في الحصول على وسيلة نقل تقلك إلى قرية إزاعثمان بجماعة سيدي يحيى أويوسف بقيادة تونفيت إقليم ميدلت، عليك انتظار يوم انعقاد السوق الأسبوعي لأغبالة الذي يعقد يوم الأربعاء. كانت الانطلاقة إلى هذه القرية النائية من محطة الطاكسيات ببني ملال

مرورا بأغبالة
‎بعدما قطع الطاكسي مسافة حوالي 45كلم، توقف في مدينة القصيبة، حيث كان لابد من ركوب سيارة أجرة كبيرة أخرى إلى أغبالة.. في الطريق إلى هذه الأخيرة كانت الرحلة صعبة .. كل مستعملي هاته الطريق يعانون الأمرين من حالتها المزرية ، فـ«منذ سنين وسنين وحفرها تزداد اتساعا وانتشارا إلى درجة أصبح السير من خلالها مغامرة من المغامرات التي لا بد منها»، يؤكد السائق.
‎معبر القصيبة مرورا بناوور-بونوال وتيزي نيسلي ثم وصولا إلى أغبالة، شبه مقطوع، ويستعصي على السيارات العادية العبور من خلاله. «أصبحنا لا نرى من جملة العابرين سوى أرباب الشاحنات المحملة بالبضائع أو قوافل السياح الأجانب بدراجاتهم النارية وسياراتهم الرباعية الدفع، والتي تجعل من غبار هذه الطرقات سحبا داكنة اللون لا تنتهي أبدا.. أما منفذ ملوية مرورا عبر سيدي يحيى وسعد ونظرا للضرورة الملحة، نجد العابرين يتحاملون على هذا المنفذ باعتباره المسلك الوحيد لهم بالرغم من حالته الكارثية، والتي لا تسمح بتاتا باستعماله كطريق …»، يضيف السائق.
‎بعد قرابة ساعتين من السير وصلت السيارة أخيرا لأغبالة. وكلمة أغبالة بالأمازيغية قريبة في شكلها إلى كلمة أغبالو التي تعني عين الماء العذب وكل منطقة سميت بهذا الاسم تضم ينابيع وأنهارا مما يدل على وفرة هذه المادة الحيوية فيه.
‎أول مايلفت انتباه الزائر هو وضع القرية المزري، حيث المتسوقون القادمون من قرى نائية يقبلون على الأكلات المعروضة في السوق بجانب مجاري الصرف الصحي. الأزبال متناثرة في كل مكان ومجاري الواد الحار المكشوفة المتدفقة من الأحياء والأزقة غير المعبدة، والطرق المحفرة وغياب المرافق الحيوية.
‎التلاميذ يتنقلون عشرات الكيلومترات لاستكمال تعليمهم الثانوي التأهيلي بالقصيبة. أما المركز الصحي فهو عبارة عن بناية بدون تجهيزات لا يحضرإليها الطبيب سوى في أوقات معينة. وما يزيد الوضع قتامة هو تلك الأحجار المتساقطة على البنايات القريبة من الجبل من حين لآخر. ناهيك عن وكالة بنكية وأخرى بريدية ومقر للجماعة القروية والقيادة، أما مركز الدرك الملكي وبناية المحكمة ،حيث القاضي المقيم، فتعتبر من مخلفات إرث الحماية بالمنطقة ..
‎رغم صعوبة المناخ، فقد وجدنا السكان هنا يقاومون بصبرهم على العيش في مثل هذه الظروف التي تنعدم فيها أبسط شروط الحياة الكريمة. بهذه البلدة يصرف الناس كل ما يدخرونه من نقود على حطب التدفئة في موسم البرد. تقول فاطمة حامل وأم لطفلة عمرها أربع سنوات ونصف. «تنكيل الشواري ديال الحطب العادي بـ60درهم، أما شواري ديال الأرز فثمنه 600درهم ونصف».
‎يصل مستوى علو الثلج بأغبالة إلى متر واحد. هي منطقة غابوية بامتياز، حيث أشجار الأرز والبلوط تنتشر بوفرة، ونظرا للحاجة الماسة لحطب التدفئة وكذا لبعض المواد الأولية التي تتركز عليها صناعة الخشب من أبواب وموائد وغيرها مما تتطلبه حاجة الإنسان من هذه المادة الحيوية تتكاثر عمليات قطع الأخشاب، فتقوم عناصر مندوبية المياه والغابات بضبط، المخالفين وتحرر في حقهم مخالفات زجرية … «لا أحد يعترض على تطبيق القانون»، يوضح بعض المواطنين، «لكن المشكل هنا يكمن في كون القانون يطبق على الضعفاء فقط عندما يضبطون مخالفين للقانون في قطع الأخشاب، لكن العصابات الليلية التي تأتي بشاحناتها المجهزة بأحدث وسائل قطع الخشب، والتي تستنزف الغطاء الغابوي بالمنطقة فلا حسيب ولا رقيب عليها».
‎سبق لمركز أغبالة أن شهد ليلة 24 دجنبر 2011 احتجاجات خرجت عن سيطرة جمعية حقوقية كانت تحاول تأطير الوقفة ،بحيث عرفت أحداث عنف استنكرها المواطنون والرأي العام فتم الهجوم على إدارة المياه والغابات وإخراج ما بها من حطب التدفئة وإضرام النار فيه، كما تم قطع الطريق أمام المارة وإحراق شاحنة… جاءت الوقفة الاحتجاجية، حسب أحد المشاركين، بعد إلقاء القبض على صاحب عربة تجرها دابة لنقل الأمتعة وهو يحمل على متنها عودا أخضر، من قبل مصالح المياه والغابات، الشيء الذي أثار استنكار الساكنة ليس ضدا على تطبيق القانون بل بسبب «التغاضي على أصحاب الشاحنات والعصابات الليلية التي تهرب خشب الأرز» حسب رواية السكان.

‎الرحلة إلى إزا عثمان وماجاورها

‎كنا ننتظر مجيء «الترانزيت» (السيارة التي ستقلنا للقرية)، عندما بدأ بعض الركاب يتقاطرون، كل حسب الوجهة التي يود الذهاب إليها. شرع المسافرون في شحن جوف «الترانزيت»، بأكياس الدقيق،  وبعض المواد الاستهلاكية ك: السكر، والشاي، والزيوت، وقنينات الغاز تحسبا لكماشة الثلج التي تحاصرهم في بيوتهم .. وما هي إلا دقائق حتى أخبرنا السائق بأن «السيارة» قد أصبحت جاهزة للرحلة.

‎  قبل أن ينطلق حماد السائق، استخلص من كل واحد 20 درهما ثمنا لتذكرة الرحلة. الأبواب كلها موصدة. انطلق بعد أن بسمل وقرأ المعوذتين درءا للشر ومخاطر السفر. جوف «الترانزيت» مضغوط بالأبدان المختلفة الأحجام والأشكال، ومن رابع المستحيلات أن تبسط رجليك إلى الأمام أو إلى أي جانب، من شدة الضيق، بعد أن احتكرت السلع والمواد الغذائية والحقائب مساحة السيارة. بدأت تنبعث في أبداننا حرارة خفيفة، بسبب الأبدان المضغوطة، كيف لا والضغط والاحتكاك يولدان الحرارة!
‎في المقعد الخلفي «للترانزيت»، كانت تجلس شابة وبين يديها طفل وبجانبها زوجها. من خلال محياها وهندامها العصري .. يتبين أنها ليست من السكان الأصليين للدواوير التي ستعبرها «ترانزيت» حماد. لنعلم بعدها أنها وزوجها معلمين بمدرسة إكوردان ..
‎في رحلتها الجبلية، عبرت «الترانزيت» طريق معبد وسط غابة الكروش والعرعار لايخلو من حفر. في الطريق مررنا على دوار «أوميشا»، وعند الوصول إلى دوار تاعدلونت، عرجت السيارة نحو مسلك طرقي غير معبد، تخترقه الأودية والشعاب، يتسع تارة لمترين، وتارة يضيق لأقل من متر ونصف وسط المنعرجات والجبال. عندما تلتقي فيه وسيلتا نقل تضطر كل منهما إلى ترك نصفها.. كي يمر الجميع بسلام.
‎ظلت السيارة تتوقف من حين لآخر لتقل ركابا آخرين. عندما وصلت إلى دوار إكوردان بدت المدرسة (شبه بيت جداره منهار) قابعة فوق ربوة جبلية تطل على الواد وعلى بعد منه مجموعة من منازل الطين.. توقفت «السيارة» لتنزل المعلمة وزوجها اللذان كانا مجبرين على عبور قنطرة النهر الهشة للالتحاق بمسكنهما بالضفة الأخرى حيث توجد المدرسة.
‎واصلنا الرحلة. ونحن في الطريق إلى الدوار، فجأة يتلقى المقدم .. اتصالا هاتفيا من قائد تونفيت  يبلغه بأن: «هناك صحفية تركب معكم في «الترانزيت»، وعليك التأكد من هويتها وأخذ معلومات عنها ومراقبة ماستفعله …»! هذه المعلومات نقلها المقدم على التو إلينا بالحرف …
‎بعد ساعتين من السير وصلت السيارة في حدود الساعة والسادسة والنصف، حيث وجدت العديد من سكان دوار إزا عثمان في استقبالها. كان الظلام قد خيم على المكان. وكان السكان المنتظرون يمسكون مصابيح يدوية.. لم نتمكن من اكتشاف الدوار لحظة الوصول.. قضينا الليلة في بيت أحد الأهالي، حضرإليه العديد من السكان من الجنسين ليسردوا معاناتهم مع العزلة والتهميش.
‎لكي تقضي حاجتك الطبيعية ليلا، يتوجب عليك قطع مسافة طويلة بحثا عن مكان آمن مع الصبر لقساوة البرد …
‎المسلك الطرقي الوحيد، الذي يربط دواوير: إكوردان، تكردوست، إزاعثمان، ثلاث وعراب.. بأغبالة شقه السكان بسواعدهم بدون مساعدة من الجماعة والسلطات… وذلك بعد اتفاق بينهم وبين سكان قرية تاعدلونت التي يمر من أراضيها. كانوا يقضون الليالي في الحفر طيلة عدة شهور إلى أن أنهوه وأصبحوا يستعملونه في المرور. وعندما تتساقط الأمطار والثلوج يغلق المسلك في وجوههم فيخضع السكان لحصار عدة أسابيع.
‎«طيلة فصل الشتاء يجب دائما ادخار الحطب، الذي يعتبر هو أول الأولويات، بل وقبل الخبز»، يقول يدير. خلال هذا الفصل، يصعب الحصول على المواد الغذائية، يضيف «نحن معزولون عن العالم الخارجي.. لا أحد يهتم لحالنا»، ثم يعلق بحرقة شديدة ارتسمت آثارها على وجهه «مناطق بواضيل وغيرها أصلحت، لكننا نحن لم يصلنا أي شيء». بعد سرد المعاناة يمر يدير إلى إعلان مطالبه ومطالب السكان، بصوت مرتفع تردد بين الجبال « نطالب بإصلاح الطريق الرابطة بين إزاعثمان وأغبالة».
‎في الصباح الباكر، لليوم الثاني من وصولنا إلى هذه المداشر المعزولة، وبعد ليلة كاملة من الإنصات إلى الأهالي الذين كانوا في استقبالنا، تمكننا من اكتشاف أحوال المنطقة .. بإزاعثمان المدرسة مجرد حجرة جد ضيقة مشيدة بالإسمنت. المعلمة تقوم بعملها واقفة من غير أن تجلس ولو دقيقة، لأن الحجرة بدون مكتب، وتنعدم بها الإنارة مما يضطرها إلى المجيئ مبكرا والخروج مبكرا، وهذا يحرم التلاميذ من العديد من الأنشطة الوثائقية. التجهيزات بالقسم شبه منعدمة، بحيث لاحظنا تكدسا بالطاولات: يجلس ثلاثة تلاميذ على كل طاولة. أما خشب التدفئة فيوفره آباء التلاميذ وليست الوزارة الوصية، وسقف القسم كان يقطر فوق رؤوس الجميع ما اضطر السكان إلى تسقيقه بالتراب والبلاستيك. والأكثر من ذلك فالقسم مشترك: يدرس به دفعة واحدة المستوى الثالث والرابع والخامس والسادس والفوج الآخر يدرس به المستوى الأول والثاني، ما يجعل من مهمة الأستاذين جد صعبة ومرهقة..
‎البعد والخوف يجعلان الآباء يحرمون بناتهم من الذهاب إلى تونفيت لاستكمال دراستهن الإعدادية والثانوية وبالتالي فمستوياتهن تتوقف عند السادس، وحتى الذكور فالقليل منهم من يذهب بفعل قلة ذات اليد والبعد.
‎يفصل دواوير: إكوردان، تكردوست، إزا عثمان وثلاث واعراب، نهر كبير دائم الجريان. حينما يفيض يعزل المنطقة إلى شطرين لفترة طويلة، بحيث إن الشطر غير الموجود في الضفة التي توجد فيها الطريق والمدرسة يحرم تلاميذه من الدراسة طيلة فترة الفيضانات، كما يحرم السكان من التسوق والمرور لأراضيهم الفلاحية، ويحرم المدرسون من الذهاب عند أسرهم أو الالتحاق بمدارسهم. تقول إحدى المعلمات بإحدى المدارس بهذه الدواوير «خلال عيد المولد النبوي الشريف لم أزر أسرتي بسبب الطريق وسوء أحوال الجو، مما اضطرني إلى المكوث وحدي بالدوار».
‎ولأن تدخل الدولة غائب تماما في هذه المناطق، فعلى طول النهر شيد الأهالي مجموعة من القناطر التي سرعان ماتختفي مع كل فيضان جديد، فيعيد السكان إقامتها بعد هدوء العاصفة. النهر يجرف أيضا المحاصيل الزراعية التي يشقى عليها الفلاحون طول الموسم.
‎بدوار إزا عثمان تناثرت العديد من البيوت، التي تهدمت فوق روؤس ساكنيها بسبب الثلوج والأمطار والفيضانات ،لكن لحسن الحظ ،لم تخلف خسائر بشرية مايضطرهم إلى التحوز لدى بعضهم ريثما يبنون أخرى.. روؤس الماشية لاتسلم من تقلبات الطقس، حيث يشير يدير إلى نفوقها.
‎القنطرة التي تربط بين دوار إزاعثمان وثلاث أوعراب مجرد خشبة (بلانشا) يعبرها السكان بحذر شديد لكن سرعان ماتختفي بمجرد ارتفاع منسوب الواد فيبقى السكان معزولين لفترة ..
‎«الكودرون جاي حتى لبواديل وتاعدلونت وهنا بهذا الدواور ماكيناش الطريق، الناس كيبغيو يمشيو للسوق ماكيلقاوش المركوب وفاش كتطيح الشتا والثلج ما كيلقاوش الناس المواد الغذائية الأساسية للعيش». بهذه الكلمات لخص محمد أوعرفة ( 31سنة) نجار وأب لطفلين أهم مشاكل المنطقة التي يجد سكانها صعوبة كبيرة في التحاور بالعربية. قبل أن يضيف «نطالب من المسؤولين تعبيد الطريق ووضعها في الدراسة مثل باقي الدواوير التي حظيت بالاستفادة لأن عدد السكان هنا  حوالي 400».
‎فبالرغم من توفر الكهرباء والهواتف المحمولة عند السكان وبعض الصحون الهوائية المقعرة، فالناس لازالوايعيشون حياة بدائية، فلكي ينجزوا وثائقهم بالمصالح الإدارية، فعليهم انتظار يوم انعقاد السوق الأسبوعي بأغبالة أو سوق تونفيت، وإذا مرض الإنسان فعليه انتظار هذا اليوم لكي يتأتى له الانتقال إلى المركز الصحي بأغبالة أو تونفيت، وإذا أدرك المرأة المخاض، فتظل تتمغص حتى تلد إن كتب لها النجاة أو تموت إن كانت وضعيتها حرجة سواء في الأوقات العادية أو الأوقات التي تسوء فيها أحوال الطقس .
‎وبما أن المنطقة لاتدخلها سوى «ترانزيت» وحيدة فهي تكلفهم لنقل بضائعهم وبهائمهم كثيرا، وهذا ماليس في استطاعتهم. ليس الأحياء من ينتظرون هدوء النهر لعبوره، بل حتى الأموات، فعندما ينتقل أحد السكان إلى رحمة الله، لايستطيعون نقله إلى المقبرة التي توجد على الضفة الأخرى من النهر، وبالتالي على الميت الانتظار طويلا .
‎«الما والعواد والرزق عند الله». هكذا يصف حماد(53سنة)  المنطقة التي يقطنها، قبل أن يضيف موضحا «الصحرا فيها النخل، والأزغار فيه الليمون والزيتون وجابنا الله لهاد الغابة فيها غير الما والمشاكل، راه كنطالبو من المسؤولين يشوفو فينا عين الرحمة».
‎تحيط بهذه الدواوير غابات الأرز والكروش والعرعار والصفصاف، لكن سكانها غاضبون من «الحيف والظلم الذي يطالهم من المسؤولين على الغابة التي تتعرض للنهب بالليل والنهار» على حد قولهم، ما يجعلها مهددة بالانقراض خاصة شجرة الأرز. ويضيف السكان أن الجماعة «تستفيد من الغابة من غير أن تخصص لهذه الدواوير مشاريع وبنيات تحتية تخرجهم من العزلة القاسية ..».
‎يعتبر سعيد أن أم المشاكل التي يعانيها السكان هنا هي الذعائر التي تمطرهم بها مصلحة المياه والغابات من حين لآخر حول الغابة التي لايستفيدون من استغلالها شيئا، يقول «هناك من المواطنين من تراكمت عليه عشرة ملايين سنتيم ذعائر، ولايستثنى منها أحد، ويسجلون الذعائر كما يسجلون الساكنة في الانتخابات»!.
‎ يتقاسم سكان دواوير، إكوردان إزاعثمان، تكردوست ، ثلاث أوعراب.. معاناتهم مع الثلوج والبرد القارس وفياضانات النهر والعزلة والتهميش وأشياء أخرى بالتساوي في انتظار تنمية عادلة لهذه المناطق، وتستمر المعاناة خاصة بعدما تحبس قمم الجبال الشاهقة صرختهم من الوصول إلى آذان المسؤولين.

الكبيرة ثعبان

عذراً التعليقات مغلقة