حول انتحال المهدوية في تاريخ المغرب

سوس بلوس
اراء ومواقف
17 مارس 2012
حول انتحال المهدوية في تاريخ المغرب

تناقلت وسائل الإعلام خبر جماعة تسمى “الجماعة المهدوية” تدين بالطاعة لرجل يدَّعي أنه المهدي المنتظر، يتخذ لأصحابه أسماء غير أسمائهم بدعوى أن أسماءهم الأصلية مدنسة، ويدعوهم إلى التبرع بممتلكاتهم لفائدة جماعته، ويأمرهم بالتماس الإذن في المعاشرة الزوجية. ونظرا لسهولة استغلال فكرة المهدي المنتظر في الدعوات السياسية في تاريخ الإسلام بوجه عام وتاريخ المغرب بوجه خاص وإقبال المغاربة أكثر من غيرهم على انتحال المهدوية سوف نعمل في هذا المقال على رصد هذه الظاهرة في بعدها السياسي، مشددين على ما عرفته من توظيف ممنهج من أجل تحقيق الأغراض الدنيوية بالدين، وذلك من خلال رصد أخبار أغلب الذين ادعوا المهدوية في تاريخ المغرب، وأكثرهم من أهل العصر الوسيط ممن تعقب أخبارهم فخر المغرب العلامة ابن خلدون في المقدمة والعبر وقال فيهم : “وقد ينتسب بعضهم إلى الفاطمي المنتظر إما بأنه هو أو داعٍ له، وليس مع ذلك على علم من أمر الفاطمي، ولا ما هو. وأكثر المنتحلين لمثل هذا تجدهم مُوَسْوسين أو مجانين أو ملبِّسين يطلبون بمثل هذه الدعوى رئاسة امتلأت بها جوانحهم وعجزوا عن التوصل إليها بشيء من أسبابها العادية، فيحسبون أن هذا من الأسباب البالغة بهم إلى ما يؤملونه من ذلك، ولا يحتسبون ما ينالهم فيه من الهلكة، فيسرع إليهم القتل بما يحدثونه من الفتنة، وتسوء عاقبة مكرهم”.

ابن خلدون و أحاديث المهدي المنتظر

أمرُ المهدي المنتظر مشهور عند المسلمين، بل وعند غيرهم أيضا، وهو الرجل الذي لا بد من ظهوره في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا ويعز الدين ويتولى الإمامة العظمى للمسلمين. ثم يكون خروج الدجال وما بعده من علامات وأشراط الساعة، ثم ينزل من بعده عيسى فيقتل الدجال، أو يأتي عيسى مع المهدي فيقتلان الدجال ويأتم عيسى بالمهدي في صلاته.

يشترط في المهدي المنتظر أن يكون من أهل البيت، ولهذا السبب اضطر من لم يكن من عترة النبي صلى الله عليه وسلم وأراد ادعاء المهدوية أن ينتحل لنفسه نسبا شريفا. وتفاصيل ظهور المهدي مثبتة في أبواب الفتن وأشراط الساعة في كتب الحديث بما فيها صحيح البخاري وصحيح مسلم. ومع هذا لم يجمع الفقهاء على صحة أخبار المهدي المنتظر في التراث الإسلامي، بل انقسموا في شأنها إلى مؤيدين ومنكرين. أما المؤيدون فيحتجون بأحاديث خَرَّجَها أعلام المحدثين من أمثال الترمذي وأبي داوود والبزاز وابن ماجة والحاكم والطبراني وأبي يعلى الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل علي وابن عباس وابن عمر وطلحة وابن مسعود وأبي هريرة وأنس وأبي سعيد الخذري وأم حبيبة وأم سلمة وثوبان وقرة بن إياس وعلي الهلالي وعبد الله بن الحارث بن جَزْء. ويقولون إن أخبار المهدي ثابتة في الصحيحين، ومن ثم فإنها لا يرقى إليها الشك. وأما المنكرون فيطعنون في صحة أسانيد هذه الأحاديث ويعارضونها ببعض الأخبار وبتقديم الجرح على التعديل. ومما ينتقدونه ما أورده أبو بكر بن أبي خَيْثَمَة في أحاديث المهدي وما ذكره أبو بكر الإسكاف مستندا إلى مالك بن أنس عن محمد بن المُكَنْدِر عن جابر قال : قال رسول الله (ص) : {من كذب بالمهدي فقد كفر ومن كذب بالدجال فقد كذب}. وعلى الرغم من أن أبا بكر الإسكاف وضاع عند المحدثين، فإن صحة طريقه إلى مالك مشكوك فيها أيضا. كما يتمسك المنكرون لشأن المهدي بما رواه محمد بن خالد الجندي عن أبَان بن صالح بن أبي عياش عن الحسن البصري عن أنس بن مالك عن النبي (ص) أنه قال : {لا مهدي إلا عيسى بن مريم}، وهو حديث ضعيف مضطرب. وقد رد المؤيدون الاحتجاج بهذا الحديث بقول إن معنى “لا مهدي إلا عيسى” أي لا يتكلم في المهد إلا عيسى. زد إلى هذا أن بعض رجال أحاديث المهدي سيء الحفظ، وبعضهم أخرج له الشيخين، أي البخاري ومسلم، مقرونين بغيرهم لا أصلا، وبعضهم فيه تشيع، وبعضهم لم يخَرِّج لهم أحد من الأئمة الستة، ومنهم المدلس وضعيف العقل والقليل الحفظ والضعيف والضعيف جدا والكذاب والرفاع – وهو الذي يرفع الأحاديث التي لا تعرف مرفوعة -، ومنهم من اختلف الأئمة في الاحتجاج به. هذا بالإضافة إلى أن بعض الأحاديث ليس فيها تصريح بذكر المهدي، كأحاديث مسلم التي لم يقع فيها ذكر للمهدي وليس فيها دليل يقوم على أنه المراد منها. والخلاصة أن الأحاديث التي خرجها الأئمة في شأن المهدي وظهوره آخر الزمان لم يسلم منها من النقد إلا القليل والأقل منه.

ولئن كان المنكرون لأخبار المهدي قد بنوا إنكارهم على منهج المحدثين القائم على علمي التعديل والتجريح، فإن المكانة المتميزة التي تحتلها ظاهرة المهدوية في الفكر الشيعي يجعلها من القضايا المركزية في الخلاف بين الشيعة وبين الفرق والمذاهب الإسلامية الأخرى.

متصوفة المغرب والمهدي المنتظر

تجدر الإشارة إلى أن للمتصوفة في إثبات أخبار المهدي الفاطمي طريقة خاصة، ونوع من الاستدلال يعتمدون فيه على الكشف الذي هو أصل طرائقهم. والواقع أن المتصوفة الأوائل لم يخوضوا في أمر المهدي ولا في شيء مما يتصل به، وإنما كان كلامهم في المجاهدة بالأعمال. ثم عانق بعضهم فكر الشيعة، وتكلموا في الكشف وفيما وراء الحس وقالوا بالحلول والوحدة، فتأكدت الصلة بينهم وبين التشيع لما شاركوا الإمامية والرافضة قولهم بألوهية الأئمة وحلول الإله فيهم. ومعلوم أن مسألة تأليه الإمام ابتدأت من تفضيل الشيعة لعلي بن أبي طالب والقول بإمامته وادعاء الوصية له من قبل النبي (ص)، والتبرؤ من أبي بكر وعمر. ثم قالوا بعد ذلك بعصمة الإمام، وجاء الإسماعيلية منهم فادعوا ألوهية الإمام بنوع من الحلول، وادعى آخرون منهم رجعة من مات من الأئمة بنوع من التناسخ. ولما لم تعد الإمامة في أبناء علي بن أبي طالب في فترة من الفترات قال الشيعة بحتمية عود الأمر إلى آل البيت واستدلوا بأحاديث المهدي وغيرها، وعلى هذا يتبين أن لفكرة المهدي المنتظر صلة وثيقة بالتشيع. فما هو الدور الذي كان للصوفية في الترويج لهذه الفكرة ؟

من المعروف أن الصوفية يستندون في لبس الخرقة إلى كون علي بن أبي طالب ألبسها الحسن البصري وأخذ عليه العهد بالتزام الطريقة، وهذا الأمر غير مؤكد من الناحية التاريخية، إذ لم يثبت عن علي بن أبي طالب أنه قام به من وجه صحيح. ولما كان الصحابة كلهم أسْوَة في طريق الهدى، فإن في نسبة هذا إلى علي دون غيره من الصحابة يشي برائحة فواحة من التشيع، يفهم منها ومن غيرها أن قلة أو كثرة من القوم – أهل الرقائق والدقائق – قد عانقت أفكار الشيعة.

ولا يخفى أن الصوفية يقولون بالقطب والأبدال، ويحاكون في ذلك لقبي الإمام والنقباء عند الرافضة. ناهيك عن أن كتب الإسماعيلية مليئة بالحديث عن المهدي المنتظر وكذلك كتب الصوفية. ومن أمثلة من تكلم في هذا من أهل المغرب ابن العربي الحاتمي في كتاب “عنقاء مغرب” وابن قسي في “خلع النعلين” وابن سبعين وابن أبي واطيل في شرحه على كتاب خلع النعلين، وأكثر كلام كل هؤلاء عن المهدي ألغاز، وحاصل مذهبهم فيه، على ما ذكر ابن أبي واطيل : “أن النبوة بها ظهر الحق والهدى بعد الظلال والعمى، وأنها تعقبها الخلافة، ثم يعقب الخلافة الملك، ثم يعود الملك تجبرا وتكبرا وباطلا. ولما كان من المعهود من سنة الله رجوع الأمور إلى ما كانت، وجب أن يحيا أمر النبوة بالوَلاية، ثم بخلافتها، ثم يعقبها الدجل مكان الملك والتسلط ثم يعود الكفر بحاله كما كان قبل النبوة”. وبما أنه لا نبي بعد محمد بن عبد الله، فالأصح أن يكون من اضطلع بتجديد الدين بعده ولي من أولياء الله.

إن المتأمل لهذه الصورة التي رسمها ابن خلدون نقلا عن ابن أبي واطيل يخلص إلى أن في الأمر ثلاث مراتب في ثلاث مراتب أخرى، أي ما مجموعه ستة مراتب على قدر الحروف المكنونة لاسم المهدي. تهم المراتب الثلاث الأولى منها النبوة والخلافة والملك، وهذا مستوحى من تجربة الحكم في دولة الإسلام. والمراتب الثلاث الثانية تهم الوَلاية للفاطمي والدَّجْل والكفر. ولما كانت الخلافة بعد الرسول (ص) لقريش بإجماع الصحابة وجب أن تكون الإمامة فيمن هو أخص من قريش بالنبي (ص) كبني عبد المطلب وبني هاشم كافة، أي آل محمد، وكأبناء فاطمة وعلي، أي آل البيت، مع العلم بأن آل محمد أشمل وأكبر من آل البيت من حيث المرشحين المعنيين بتولي الخلافة.

هذا وقد أطلق ابن العربي الحاتمي اسم خاتمة الأولياء على المهدي المنتظر وأشار إليه بلبنة الفضة في إحالة على حديث البخاري في باب خاتم النيئين حيث قال رسول الله (ص) :{مثلي فيمن قبلي من الأنبياء كمثل رجل ابتنى بيتا وأكمله حتى إذا لم يبق منه إلا موضع لبنة فأنا تلك اللبنة}. ويمثل ابن العربي على الوَلاية في تفاوت مراتبها بالنبوة، ويجعل صاحب الكمال خاتم الأولياء. ولما كان النبي (ص) خاتم الأنبياء فإن المهدي المنتظر هو خاتمة الأولياء، على اعتبار أن النبوة – كما في الحديث أعلاه – هي آخر لبنة في البناء، ولا يمكن أن تكون تلك اللبنة إلا لبنة من ذهب، أما المهدوية فلا يمكن أن تكون إلا لبنة من فضة. وبما أن البني (ص) قد أكمل بنيان الرسالات السماوية فإن المهدي المنتظر سوف يكمل بناء مجددي الدين، كلاهما أكمل الرسالة والفارق بينهما كالفارق بين الذهب والفضة في القيمة.

لقد بشر مشايخ الصوفية بظهور المهدي المنتظر بالمغرب، وقالوا إنه سيعيد فتح جزيرة الأندلس وأنه سيفتتح روما والقسطنطينية ويصير له ملك الأرض. ثم يظهر عيسى ويعتنق العجم الدين الإسلامي ويدوم ملكهم بعد إسلامهم مع عيسى مدة (ق ي ن) أي 160 سنة بحساب الجُمَّل أو حساب النيم. وتكون مدة حكم المهدي بضع سنين، والبضع من ثلاث إلى تسع وقيل إلى عشر. وحدد بعض الصوفية مدة حكم المهدي في خمس سنين وبعضهم في سبع سنين وبعضهم في ثمان سنين وبعضهم في تسع سنين وبعضهم في أربعين سنة وآخرون في سبعين سنة. قال ابن أبي واطيل شارح خلع النعلين : “الأربعون مدته ومدة الخلفاء الأربعة الخلفاء من أهل بيته. ثم يتحول الحكم إلى الملك ويستمر مائة وتسعة وخمسون عاما”.

ونقل ابن العربي عن ابن أبي واطيل قوله إن المهدي يظهر بالمغرب عام (خ ف ج)، وهي سنة 683هـ/1284م بحساب الجُمَّل، وأن الناس انتظروا نزول عيسى سنة 698 هـ/1299م، ولما انصرم القرن السابع للهجرة/الثالث عشر للميلاد ولم يظهر قالوا : المراد بهذا التاريخ مولده وليس ظهوره، وأن خروجه يكون سنة (د ي) أي 710هـ/1310م، وأن عمره يكون عند خروجه ستة وعشرين سنة وأن خروج الدجال يكون سنة 743 هـ/1342م. وكان أكثر متصوفة القرن 8 هـ/14م الذين عاصروا ابن خلدون يشيرون إلى ظهور رجل مجدد لأحكام الملة ومراسم الحق، وأنهم يتحينون ظهوره بين الفينة والأخرى، بعضهم يقول إنه من ولد فاطمة وبعضهم يطلق القول من غير تخصيص. ومن هؤلاء المتصوفة أبو يعقوب البادسي، كبير أولياء المغرب في عصره.

أخضع ابن خلدون أخبار المهدي المنتظر لمنهج أهل الحديث، ووزن رجال أحاديث المهدي بميزان العدل والتجريح، وخلص إلى أن تلك الأحاديث مدخولة. ثم أخضعها لقانون المطابقة، وهو فحص الخبر بإمكانية الوقوع والاستحالة، أي هل الخبر ممكن الوقوع أو يستحيل وقوعه بوجه من الوجوه. ولم ينف ابن خلدون خبر ظهور المهدي في آخر الزمان، بل اشترط لنجاحه في مهمته توفر عصبية من الفواطم، أي من أبناء فاطمة وعلي، وإلا فلا. ومع هذا لم يسلم هذا العلامة من انتقاد الفقهاء، حتى إن أحد المتأخرين منهم كتب كتابا في الرد عليه سماه “إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون” قال وإن شئت فسميه “الكشف المبدي لفساد طعن ابن خلدون في أحاديث المهدي”. والمطلع على هذا الكتاب يخلص إلى أن الرجل لم يفهم كلام الرجل، أو على الأصح فهم قصده وأصر على أن يلصق به تهمة الشك في أحاديث وردت في الصحيحين، وما ورد في الصحيحين لا يرقى إليه الشك عند جمهور الفقهاء.

وجد المتصوفة ممن سما لهم أمل في التحول من الوَلاية إلى الإمامة – عبر تاريخ المغرب – في فكرة المهدي المنتظر وسيلة مثالية لتسنم ظهر الإمامة. واعتمدوا في مزاعمهم على أحكام النجوم والقرانات والحدثان، يعينون بأدلة واهية وقت ومكان ظهور المهدي وصفات الرجل الذي يتولى ادعاء المهدوية، حتى إذا انقضى الزمان ولم يظهر شيء مما يزعمون، عادوا إلى تجديد موعد آخر. ومع كل محاولة جديدة تنتشر مثل هذه الدعوات في نفوس الأتباع وتزداد استحكاما بفعل ثقة المريدين في شيوخهم وطاعتهم لهم طاعة عمياء. ولا يخفى أن الطاعة العمياء فكرة فارسية تربى الفرس عليها في علاقتهم بالأكاسرة ودخلت الإسلام بفعل تأثير الشيعة.

نماذج من مدعيي المهدوية بالمغرب

أشار ابن خلدون إلى أن أكثر ما يظهر المهدي وتنجح دعوته في القاصية وأطراف العمران كالزاب بإفريقية والسوس بالمغرب. وقال إن أهل رباط ماسة كانوا يعتقدون في زمانه بأن المهدي سيكون منهم أو أنهم هم الذين يقومون بدعوته إن لم يظهر فيهم. ولما شاع خبر اعتقادهم بالمغرب قَصَدهم ضعاف البصائر مُسلّمين بصحة زعمهم، وحج إليهم منتحلوا المهدوية في محاولة لاستغلالهم وتوظيفهم في إقامة دعوات سياسية. وأول مهدي ظهر بالمغرب هو عبيد الله المهدي زعيم الفاطميين الذي أعلن مهدويته بسجلماسة سنة 297 هـ/910 م، وتحفل كتب التاريخ بما كان من أمر خلفائه من سفك للدماء وادعاء للربوبية كما هي حال المعز لدين الله الفاطمي والحاكم الفاطمي. وأما المهدي الثاني فهو محمد بن تومرت، مهدي الموحدين، الذي بنى حركته السياسية أيضا على بحر من دم، وأخباره في هذا الباب أشهر من أن تذكر لكن يهمنا منها هنا في هذا المقام نص فريد أورده مؤرخ مشرقي يدعى الحسن بن عبد الله في كتابه تاريخ الأُوَّل وأخبار الدول في معرض نصيحته لسلطان زمانه المملوكي حيث يوصيه بالحذر من الذين يتخذون التصوف وسيلة لاستتباع الأتباع، حتى إذا استحكمت دعوتهم في نفوس أتباعهم تحولوا من الوَلاية إلى الإمامة، وضرب له مثلا على هؤلاء بالمهدي بن تومرت الذي حسب قوله “دخل المغرب بالمُرَقَّعَة والعكاز على عادة أهل التصوف” ولما كثر أتباعه سما له أمل في الملك وأعلن نفسه إماما. وبعد وفاة ابن تومرت أعلن ابن قسي نفسه مهديا بغرب الأندلس – بميرتلة وشلب بالبرتغال الحالية – وفرق الأموال في الناس لكسب مزيد من الأتباع. وكان يزعم أن المال ينزل عليه من السماء، فحدث أن منح لرجل قطعا نقدية من ذلك المال فنظر إليها الرجل فإذا في النقوش التي عليها تاريخ ضربها ومكان سكها واسم السلطان الذي ضربت باسمه فقال الرجل : عجبت لهذا المال الذي ينزل على المهدي من السماء وفيه اسم السلطان علي بن يوسف المرابطي، فما كان من ابن قسي إلا أن ضرب عنق الرجل حين كشف حيلته.

وظهر في العهد الموحدي أيضا مهدي آخر برباط ماسة في شوال 541/مارس 1147. ويتعلق الأمر برجل من أهل سلا اسمه محمد بن عبد الله بن هود، عرف بالماسي وتلقب بالهادي. أقبل الناس على حركته وكثر أتباعه في جميع أنحاء المغرب حتى لم يبق من البلاد الخارجة عن دعوته إلا فاس ومراكش، أما أهل بلده سلا فثاروا على عامل الموحدين بها وولوا عليهم والده. ولقد كادت حركة الماسي أن تعصف بدولة الموحدين لولا تدارك جيوش عبد المؤمن بن علي الگومي الأمر وتمكنها من قتل الماسي في ذي الحجة/مايو من السنة المذكورة. كما ظهر في عهد عبد المؤمن أيضا مهدي آخر بقبيلة گزولة اسمه عمر بن الخياط الملقب ببويكندي فآزرته قبائل حاحة ورگراگة وهزميرة وهسكورة الوطاء ودكالة، واستفحل أمر دعوته إلى أن تمكن القائد الموحدي أبو حفص عمر الهنتاتي من القضاء عليه.

وفي آخر المائة السابعة للهجرة/الثالث عشر للميلاد ادعى رجل اسمه العباس من غمارة أنه المهدي الفاطمي وتبعه جمع غفير من الغماريين وتمكن من دخول مدينة فاس وقام بتخريب أسواقها قبل أن يتم اغتياله بمدينة المزمة (الحسيمة).كما ظهر في أوائل المائة الثامنة رجل من منتحلي التصوف برباط ماسة يعرف بالتُّوزَرِي – نسبة إلى توزر- ادعى أنه المهدي المنتظر واتبعه الكثير من أهل السوس وعظم أمره فدس إليه زعماء المصامدة من قتله فانحل أمره.

ولما كانت فكرة المهدوية على درجة لا يستهان بها من التجذر في الوسط الصوفي المغربي طمع بعض المشارقة في استغلال اعتقاد المغاربة فيها. روى ابن خلدون عن شيخه محمد بن إبراهيم الآبلي أن رجلا من آل البيت من كربلاء صحب ركب الحجاج المغاربة في طريق عودتهم بعد أداء الفريضة، وكان هذا الرجل كثير التابع والخادم وكان الناس يتلقونه بالنفقات في أكثر البلدان. ولما استحكمت صحبته بالآبلي واطمأن له أخبره أنه متوجه إلى المغرب لانتحال دعوة المهدي الفاطمي. حتى إذا وصل ركب الحاج إلى تلمسان وعاين هذا الشريف قوة الجيش المغربي بقيادة السلطان المريني أبي يعقوب يوسف الذي كان يفرض حصارا شديدا على عاصمة الزيانيين في أواخر القرن 7هـ/13م وبداية القرن 8 هـ/14 م قال لأصحابه : “ارجعوا فقد أزرى بنا الغلط وليس الوقت وقتنا”.

ومع حلول القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي ساد الاعتقاد في قرب الساعة وفناء الدنيا في العالم الألف الهجري، تماما كما اعتقد المسيحيون قبل المسلمين بستة قرون في فناء العالم في العام الألف الميلادي، وكثر الإفتاء حول علامات الساعة وخروج الدجال وظهور المهدي والخضر وكثر السؤال عن هذا الأخير أهو نبي أو ولي. فحاول محمد بن سليمان الجزولي، صاحب دلائل الخيرات، الإفادة من هذا المناخ الفكري المتشبع بالغيبيات، وعمل على استغلال شيوع هذه المعتقدات بين الناس فأعلن أنه المهدي وأقام حركة سياسية على أساس المهدوية. وبعد وفاة الجزولي تابع حركته تلميذه عمر بن سليمان الشيَظْمي المغيطي، المعروف بالسياف، فشرَّع لأتباعه شرائع وأسس لهم قلعة في مكان منيع بأيت داوود بحاحة سماها قْليعَة المريدين، واستشرى أمر حركته “ودامت سطوته اثنى عشر عاما […] وقد قتلته إحدى نسائه حينما وجدته يضاجع ابنة لها من زوج آخر، فأدرك الناس حينئذ أن الرجل فاسق لا إيمان له ولا دين” على حد قول الحسن الوزان.

حاصل القول إن فكرة المهدي المنتظر تسربت إلى الحضارة الإسلامية من الحضارات الأخرى، وأن للصوفية عامة مزيد قوة اختصاص في تبنيها، وأن للمغاربة بوجه خاص نصيب الأسد في انتحالها. ولأن المهدي المنتظر هو الذي سيملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا فقد ارتبط اسمه في الذاكرة الجماعية للمسلمين بالخلاص من القهر، بل والخلاص من الدار الفانية، إذ الساعة آتية بعد ظهوره لا محالة بعد جيل أو جيلين أو ثلاثة أو أربعة حسب اختلاف الروايات. وادعاء المهدوية غاية في الذكاء السياسي لأن المهدي المنتظر في المعتقد الشعبي هو الأمل لكل من ضاقت به الأرض. لهذا ومن أجله كان لكل الحركات السياسية في تاريخ الإسلام مهديها، للأمويين السفياني وللعباسيين صاحب الرايات السود وللشيعة ومن عانق أفكارهم المهدي المنتظر، وللإسلام السياسي المعاصر مهديوه غير المعلنين، أو على الأصح مهديوه الذين ينتظرون الوقت المناسب لإعلان الظهور.

عذراً التعليقات مغلقة