بسبب أمراض وراثية.. مأساة أسرة أربعة من أبنائها معاقون

سوس بلوس
الرئيسيةالصحةوطنيات
28 يناير 2014
بسبب أمراض وراثية.. مأساة أسرة أربعة من أبنائها معاقون

أمهم تستعطف المحسنين لمساعدتها بعد أن ضاقت ذات اليد هي مجرد أفواه مشرعة، كلما داهمها الجوع، تنتظر الإطعام، الذي لا تستطيع أيديهم أن تمتد إليه.. خارت قواهم، وترهلت عضلاتهم، وثقلت ألسنتهم، فلم يعودوا يجدون إلى الحركة أو الكلام سبيلا… هم أربعة إخوة، أكبرهم أبصر نور الحياة سنة 1982، أما أصغرهم فخرج إلى هذه الدنيا عام 1993.. فيما ودع “باكورة” الأسرة عالم الأحياء منذ سنوات، هو الذي دشن الأمراض الوراثية التي حملوها من زواج جمع بين قريبين… زارتهم «الأحداث المغربية» في منزل والديهم، فوقفت على عناوين للبؤس والشقاء المرفوقة بالمرض وضيق ذات اليد.. ولم تجد غير أم مناضلة، لا تكل ولا تمل من تلبية رغبات أبنائها، حتى وإن كانت “العين بصيرة” واليد قصيرة، حتى بلغت درجة العجز، لترفع لسانها بالدعوة إلى حاجة أسرتها الماسة إلى المساعدة، وهي تردد: «ارحموا من في الأرض…».

أجواء من الفاقة والحاجة تلك التي تعم بيتا بحي «بلوك المعلم عبدالله» بالبيضاء. حي احتفظ بتسمية حملها من التجمع الصفيحي الذي كان يحمل اسم “دوار المعلم عبد الله”، وحتى عندما غدت “البراريك” مساكن شيدت وفق تصاميم، وتألفت من طابقين، سفلي وأول، وفي حالات أخرى من ثلاثة طوابق وأكثر ـ رغم ذلك ـ استمر الحي في الاحتفاظ بنفس الاسم، “المعلم عبد الله”، كناية عن التسمية الأولى للدوار.

في أحد أزقة “بلوك المعلم عبد الله”، وبالضبط في العنوان التالي: الرقم 36 الزنقة 207، تقطن أسرة ينعتها السكان بالمنطقة التي يتحدر منها ربها، عندما يصفون أفرادها بـ «أولاد الدكالي»، نسبة إلى انتماء والد هذه الأسرة إلى «منطقة دكالة».

سألنا الأم «فاطمة وردي» عن أحوال أبنائها، فكانت أول عبارة نبست بها شفتاها: “هاهما أوليدي.. راه ايلا ما وكلتهم ما ياكلو..”، كان جوابها يهدف إلى تفسير واقع الحال، الذي صار إليه أبناؤها الأربعة: سعيد، إلهام، خديجة وعبد الكبير..

وأثناء الزيارة، كانوا متدثرين في أغطية تقيهم لفحات البرد القارس في فصل الشتاء، لا يستطيعون رد السلام، لأنهم بكل بساطة لا يقوون على الكلام.. وكل سبيل إلى تواصلهم مع العالم الخارجي، يقتصر على ضحكات متتالية يطلقونها في وجه كل من يطل عليهم، دهشة حينا ورهبة أحيانا أخرى.. لا ترتفع أيديهم بسلام ولا تتحرك بتحية، لأن عضلات هذه الأيدي فقدت قوتها، فصارت مجرد كتل لحمية، تغطي العظام، دون أن تسنده في حركة أو قيام لتجاوز المكان الذي يرقدون فيه، دون أن يغادروه.

أغلب أبناء “الدكالي” الآن، أجساد تسري فيها الروح بلا حراك.. أحياء ولكنهم كـ “الأموات”، لأن ما يربطهم بالحياة ،أكل وشرب وتلبية نداء الطبيعة لتصريف ما يعلق ببطونهم.. أبناء “الدكالي”، الآن، مجرد أجساد مترهلة لا تقوى على الحركة، ولا تستطيع الوقوف.. يقضون أغلب ساعات أيامهم ممددين على الفراش.. ليس رغبة منهم في الخلود إلى الراحة، أو تكاسلا عن العمل والكد، ولا استكانوا، بفعل حالة اكتئاب، جعلتهم يعتزلون الناس، ويستوطنون أركان إحدى غرف بيت الأسرة المتواضع الذي ينتمي إلى عمالة مقاطعة الحي الحسني بالدارالبيضاء.. لكن لا هذا ولا ذاك.. إنه المرض الذي حكم على أربعة إخوة في ريعان الشباب بأن يقضوا أيامهم، بنهاراتها ولياليها، ممددين في الفراش، لأنهم بكل بساطة لا يقوون على الحركة، مقعدون في عز أيام الشباب بعدما حكم عليهم المرض بالعجز الكلي.

أصل الحكاية.. مرض وراثي

عندما فكر “«ابراهيم وردي» في “اكمال دينه”، والبحث عن نصفه الثاني، لم يجد أحسن من قريبته، التي غدت أما لأبنائه.. تزوج «إبراهيم» الشهير في أوساط حيه بـ «الدكالي» من «فاطمة وردي» التي لم تكن غير ابنة عمه.. أسسا أسرة صغيرة، ليحلم الزوجان معا بمستقبل مخالف لمستقبل الآباء. أسسا عشا زوجيا، بعدما لم يشكا لحظة واحدة أن رباطهما المقدس هذا سيكون وبالا على أغلب من سينجبانه من ذرية. كان أول عنقود زواج أسرة الدكالي «عبد الكريم» الذي أبصر نور الحياة سنة 1973، لكن يد المنون امتدت إليه لتقبض روحه عام، وبالضبط بتاريخ 12 أبريل.. وهو التاريخ الذي تحفظه الأم «فاطمة» عن ظهر قلب… ولا تعود للتأكد منه اعتمادا على الأوراق الرسمية، ولا تقلب أوراق الحالة المدنية، فقط تتذكر يوم رحيل فلذة كبدها، بكل دقة.

كان «عبد الكريم» أول أبناء أسرة الدكالي الذي أصابه المرض الوراثي الذي نتج عن علاقة الزواج بين الأب وابنة عمه. عاش حياته سليما معافى دون أن تظهر عليه أية أعراض للمرض أو الإعاقة. ولكن بمجرد أن وصل إلى سن العاشرة، بدأت علامات تأخر في النطق، وبطء في الحركة، وتثاقل في الإدراك تظهر عليه بجلاء. حملت الأسرة ابنها إلى الطبيب، ومع الكشوفات التي خضع لها، والتحليلات التي أجراها ثبت ما أن مرضه ناتج عن خلل أصاب جيناته بفعل علاقة الزواج بين قريبين التي جمعت والده بوالدته. ورغم كل العلاجات التي تلقاها عبد الكبير، والتي استنزفت مالية والده البسيطة شاءت الأقدار أن يفارق الحياة بعد سنوات من المعاناة.

ثلاثة أبناء من سبعة سلموا من الاعاقة..

«أمينة، فتيحة وعبد الرزاق»، ثلاثة أبناء من أسرة الدكالي، تعترف الأم أنهم سلموا من الأمراض التي أقعدت إخوتهم، وجعلتهم ينزوون في ركن من غرفة بالمنزل. ربما كان حظ هؤلاء الإخوة أفضل، لأنهم أفلتوا من “براثن” مرض ظلت الأسرة تعتبره «قدرا» يصيب أبناءها جراء الوراثة، التي جمعت بين زوجين قريبين. لكنها سلامة جعلتهم يسخرونها لمساعدة إخوتهم المعقدين في قضاء حوائجهم، وتلبية رغباتهم. لأنهم لم يقفوا مكتوفي الأيدي إزاء المرض الذي أقعد إخوتهم، فجعل كالعصافير الصغيرة التي تنتظر مدها بالطعام مباشرة إلى الأفواه.

خارت قوى الإخوة سعيد، إلهام، خديجة وعبد الكبير، ليتوالى سقوطهم، كما تتساقط أوراق الأشجار في الخريف، بعد أن تجف وتفقد نضارتها.. لكن الفرق بين الاثنين أن أوراق الأشجار تتساقط بعد أن تستوفي دورة حياتها الطبيعية، لكن أوراق هذه الأسرة تسقط في ريعانها. فعندما بلغ هؤلاء الأبناء سن الثانية عشرة على أبعد تقدير، كان المرض ينتظره، لتظهر عليهم الأعراض الأولى للإعاقة، التي تنطلق بتثاقل في النطق، وبطء في الحركة.. ومع السنوات سرعان ما تخور القوى، ليصيروا مجرد أجساد حية، لكنها صريعة في الفراش لا تغادره إلا بمساعدة على الجلوس، أو قوة تحملهم على الوقوف.

قوة لم يجدوها في الخارج، وإنما اعتمادا على أجساد الأم والإخوة الذين سلموا من المرض، بعد أن خارت قوى الأب الذي تقاعد عن العمل، فداهمه بدوره المرض، بعد أن غلبه ارتفاع الضغط الدموي، فتسبب له في شلل نصفي، أقعده طريح الفراش، ليكون خامس مقعدي هذه الأسرة «المنكوبة».

أفواه تنتظر الإطعام..

ضعفت العضلات وترهلت، فلم تعد تسعف الأبناء الاربعة في القيام بأي حركة، حتى ولو كانت بسيطة وطبيعية. لم يعد الإخوة الأربعة، بفعل العجز، يستطيعون رفع اللقمة إلى أفواههم، ومن شدة عجزهم، غدوا ممددين في أغلب الأوقات ينتظرون من يعينهم على الجلوس، عندما يحين وقت الطعام.. حتى صاروا مجرد أفواه مشرعة، تحركها الحاجة الطبيعية بفعل الجوع إلى الاكل.. وعندما تلبي الأم والصدر الحنون النداء، أو تنوب عنها أختهم، تكون الابتسامة التي تنطلق بريئة وصادقة لتنطبع على محيا شباب أصبحوا شيوخا قبل الاوان.

“الحفاظات” حمل ثقيل على كاهل الأسرة

أطفالا صاروا، حتى وإن بلغوا درجة الرشد.. كمواليد جدد ينتظرون من يغير حفاظاتهم التي علق بها ما فضل عن الجسد.. ولعلها لحظة أقوى اللحظات، وأشدها مضاضة على النفس عندما لايقوى المرء على الاعتماد على نفسه لقضاء حاجته الطبيعية.. إنه منتهى العجز وأوج الضعف، عندما ينتظر الفرد “رحمة ” الاخر وتدخله، لكي يعينه على التخلص مما لفظه الجسد من فضلات..

ولأن الإخوة الأربعة لا يستطيعون إلى التحرك سبيلا، فإنهم يعجزون عن التوجه إلى المرافق الصحية، كلما رن العقرب البيولوجي لأجسادهم، معلنا آوان ولوج “بيت الراحة”… ولعل هذه محنة كبرى تنضاف إلى محنة أفراد الأسرة كافة، عندما تضطر الأسرة لتدبر مصاريف اقتناء الحفاظات التي تلف وسط أجساد الأبناء المعاقين، في انتظار تخليصهم منها، وتبديلها بقطع حفاظات جديدة…

وهو العبء المادي الذي ينضاف إلى أعباء الأسرة، التي لم تعد تفكر في التطبيب والعلاج، الذي لا تستطيع إليه بلوغا، فقط تسعى بشق الأنفس لاقتناء هذه الحفاظات، التي غلبها بدورها ثمنها، فلم تعد الأسرة تستطيع توفيرها لمقعديها الأربعة، الأمر الذي ضاعف من أحوالهم الصحية المتدهورة، وزاد من محنة الأسرة، بفعل ضيق ذات اليد، والامراض التي داهمت رب الاسرة الذي غدا مقعدا بعد تقاعده عن العمل.

فكل زاد هذه الأسرة، المتعددة الأفراد، راتب من معاش الأب لا يكفي لمصاريف المعيشة، فأنى له أن يلبي رغبات إضافية فرضتها الأوضاع الصحية للأبناء الاربعة المعقدين، إضافة إلى إعاقة طارئة لوالدهم، جعلته طريح الفراش.

ارحموا من في الأرض…

رغم كل ما يعانيه أبناؤها تظهر الأم «فاطمة وردي» باقية على الأمل، عندما لا تمل من ترديد «الحمد والشكر لله»، لأنها تعتبر أن مرض أبنائها قدرا، لم تبخل عليهم بالتطبيب، ولم تخلف الموعد مع دواء طلبه معالج لصرفه لأبنائها، لكنها تعترف أن “الزمان غلبها”، لذلك استسلمت منتظرة جود بعض المحسنين لمساعدة أبنائها على الحياة، التي لا يستطيعون مشاركة الآخرين بهجتها، ورغم ذلك فإن الابتسامة تظل تطبع شفاههم، رغم العلل التي تحملها أجسامهم.

فبعدما كانت إحدى الوصفات الطبية تصرف لهؤلاء الإخوة علبة مرهم للدهن من أجل أن تظل الأعصاب والعضلات متماسكة، ومرنة. أوقفت الأسرة هذا العلاج لأن العلبة الواحدة تكلفها 500 درهم، وهو ما لا تستطيع تلبيته، لذلك توقفت عن اقتنائه، وتوقفت عضلات الأبناء عن تماسكها لتغدو رخوة مترهلة، ويسقطوا تباعا معقدين عاجزين..

هي ذي حالة أبناء أسرة الدكالي التي ختمت عرضها والدتهم بنداء إلى المحسنين والمسؤولين للعمل على تقديم المساعدة لأبناء اضطرتهم الأمراض الوراثية إلى الركون للعجز في عجز الشباب.

رشيد قبول

تصوير: إبراهيم بوعلو

عذراً التعليقات مغلقة