من سوس العالمة إلى سوس التاجرة، وملاحم اقتصادية تقودها العائلات

سوس بلوس
أخبار المجتمعإقتصادالرئيسيةوطنيات
19 نوفمبر 2013
من سوس العالمة إلى سوس التاجرة، وملاحم اقتصادية تقودها العائلات

لا يكاد يخلو شارع أو زقاق في مختلف مدن المغرب من دكان أو متجر يملكه شخص ينحدر من سوس، إنهم رواد التجارة صغرى والمتوسطة، الذين اكتشفوا، بخبرتهم وصبرهم، أن السماء يمكن أن تمطر ذهبا في المغرب، ومنذ منتصف حقبة الحماية كان السوسيون يحولون لقب سوس العالمة إلى لقب جديد: سوس التاجرة، التي ستتحول إلى سوس الغنية، وحدث أن وافق تحضير هذا الملف فترة عطلة سواسة السنوية، إنها فترة عيد الأضحى، التي تحولت عبر التاريخ من فترة جلب الأرباح، التي يراكمها التاجر طول السنة من مدن شمال المغرب، إلى فترة عقد الصفقات الداخلية، والمقصود بهذا المفهوم صفقات لا تتم إلا بين السوسي وابن قبيلته. في تفراوت خلال هذه الفترة بالضبط تقام مهرجانات حقيقية للسوسيين المقيمين بمدن الدار البيضاء وطنجة وفاس والرباط، يتباهون بمكاسبهم، ويطلعون على جديد الأسواق، ويبنون الفيلات في أعالي الجبال، ويقودون سيارات فارهة، ويبالغون في الإنفاق تكذيبا لمقولة «السوسي البخيل».

تجمع دراسات ميدانية قام بها طلبة شعبة الاقتصاد بجامعة القاضي عياض بمراكش على أن البدايات الأولى للنشاط التجاري القادم من الأطلس الصغير، كانت إبان الاستعمار الفرنسي، الذي عرف في الجنوب مقاومة كبرى من طرف سواسة، لكن في الشمال كان هناك تعامل تجاري بين السوسيين والاستعمار، حيث أقام السوسيون الأوائل، دكاكينهم، بالشوارع الكبرى، وبالأحياء الفقيرة، ولم يفرقوا بين زبون وغيره، لكن أكبر المستفيدين فيما بعد، أي في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، كانوا أولئك الذين أقاموا متاجرهم بالقرب من الأحياء التي يقطن بها المعمرون، حيث وسعوا من مجالات أنشطتهم، فتحول التاجر السوسي إلى تاجر بالجملة، ومنهم من اقتحم بعض الصناعات الغذائية، إلى أن جاءت لحظة الحسم في منتصف الخمسينيات، أي بعيد الاستقلال، حيث قام أغلب التجار والملاكين الفرنسيين والإسبان واليهود ببيع ممتلكاتهم، ولم يكن المشترون غير السوسيين، الذين حالفهم الحظ وتخوفات المستثمرين/المعمرين من انتقام المواطنين المغاربة، فقاموا بالتفاوض معهم واقتنوا منهم أملاكهم بأثمنة بخسة أحيانا.

المال وحده لم يكن يكفي، إذ أصبح التنافس مع النخب الفاسية هما كبيرا لدى سواسة، الذين توجهوا إلى الاستثمار في المعرفة لحماية المال، فتوجه السوسيون إلى الدراسة في الخارج والمدارس الكبرى والمعاهد العليا، فضلا عن جانب نفسي شكل حافزا لذلك، هو تغيير النظرة الاستصغارية التي ينظر بها الآخر إليهم، كجامعي أموال ومكتنزين.

قصة السوسيين والثروة، على الرغم من قصر مدتها الزمنية، قصة نجاح مدهشة، وقد علق على ذلك محمد جامع، أستاذ التاريخ بجامعة القاضي عياض بمراكش في حوار صحافي سابق، حيث يقول: «في أقل من ثلاثة أرباع قرن، صار أبناء الدواوير السوسية البعيدة مدراء ومسيرين لثروات وشركات عائلية من الطراز الأول. لقد انتقلوا من دور التاجر الوسيط إلى دور المنتج والمستورد والموزع. وبفضل قدراتهم على التكيف، أصبح أبناء تجار التقسيط القدامى، اليوم، عمداء لمدن كبرى، ووزراء في قطاعات حيوية وسفراء».

اليوم هناك عدد كبير من الأثرياء ذوي الأصل السوسي، متنفذون في المجالات الحيوية الكبرى للبلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. لم يعد الصراع بين الفاسيين والسوسيين صراعا حضاريا فقط بل تجاوزه إلى الصراع حول مواقع النفوذ.

ملاحم اقتصادية تقودها العائلات

وضعت عدة أسر كبرى بصماتها على التاريخ الاقتصادي، وفي بعض الأحيان على التاريخ السياسي للبلاد منذ نصف قرن على الأقل، حتى إن بضع عائلات كبرى أصبحت تتحكم في أهم المقاولات في المغرب. لا يوجد مغربي واحد يجهل أسماء تلك المقاولات العائلية التي جعلت العائلات من أكبر أغنياء البلاد: بنجلون والشعبي وأخنوش وبنصالح والعمراني وزنيبر والعلمي وآخرون. وقد كشف آخر ترتيب حول الـ500 مقاولة الأولى في إفريقيا، أنجزته الأسبوعية الفرنسية «جون أفريك»، أن مقاولات العائلات الكبرى تلعب منذ عدة سنوات الأدوار الأولى في تطور الاقتصاد المغربي، فهي «موجودة في أي مكان توجد فيه إمكانيات للنمو، وعندما يكون النمو قليلا في البلاد، لا تتردد في البحث عنه في الخارج، وخاصة في جنوب الصحراء»، حسب ما أكده أحد الباحثين بالمركز المغربي للعلوم الاجتماعية، والنتيجة: مجموعات اقتصادية عملاقة في القطاع المالي والعقاري وفي التوزيع الكبير وفي الصناعة داخل المغرب، وفي الكثير من الأحيان في العديد من الدول الإفريقية… وإذا استثنينا الشركات المملوكة بصفة مباشرة أو غير مباشرة للأسرة الملكية (هولدينغ الشركة الوطنية للاستثمار SNI) والمؤسسات العمومية، أو التي يسيطر عليها مستثمرون أجانب (كما هو الحال بالنسبة إلى اتصالات المغرب)، فإن هذه الأسر الكبرى ساهمت في ازدهار أكبر المقاولات في البلاد: «أكوا هولدينغ» (الرتبة 59 على المستوى الإفريقي) وفروعها الإفريقية: SMDC (الرتبة 72) وإفريقيا غاز (الرتبة 301) بالنسبة إلى أسرة أخنوش، ومجموعة «يينا هولدينغ» التابعة لأسرة الشعبي (في الرتبة 121)، والملكية الوطنية للتأمين التابعة لأسرة بنجلون (في الرتبة 267).

 تطورت هذه المقاولات بشكل كبير في السبعينات مع سياسة مغربة الاقتصاد التي وضعها الحسن الثاني. استفادت في الكثير من الأحيان من علاقات سياسية، واحتلت الحيز الأكبر من المشهد الاقتصادي. سبق لكريم العمراني، مالك «مجموعة سفاري» وأحد أكبر الأثرياء المغاربة، أن تولى منصب الوزير الأول في عدة حكومات، من بداية السبعينات إلى منتصف التسعينات. فيما يتولى عزيز أخنوش منصب وزير الفلاحة والصيد البحري منذ 2007، بينما بدأ ميلود الشعبي مقاولته في قطاع العقار قبيل الاستقلال، وقام بتطوير مجموعته بعيدا عن السلطة وعن الحكم. كذلك الأمر بالنسبة إلى عثمان بنجلون، فقد عمل دائما على تطوير مجموعته داخل وخارج المغرب، وهو الشيء الذي ينطبق مثلا على حالة البنك المغربي للتجارة الخارجية في سنة 2007، عندما تمكن من حيازة 35 في المائة من رأسمال بنك إفريقيا، في الوقت الذي بدأ «التجاري وفا بنك»، الذي يعتبر الهولدينغ الملكي المساهم المرجعي فيه، هو أيضا في استكشاف جنوب الصحراء. لم تعمل هذه المجموعات العائلية الديناميكية على منع ظهور فاعلين مغاربة جدد، وهكذا بدأت منذ عشر سنوات تظهر مجموعات جديدة رائدة من قبيل «لابيل في» (الرتبة 220) التابعة لزهير بناني، وشركة الإنعاش العقاري «دجى برموسيون» التابعة لـ«مجموعة الضحى» (134) التي يترأسها أنس الصفريوي، وأيضا «مجموعة سهام» (الرتبة 200)، وهي مجموعة للخدمات تابعة لمولاي عبد الحفيظ العلمي (الذي عين وزيرا في حكومة بنكيران الثانية)، وهي ثلاث مجموعات جديدة تمكنت، منذ سنوات، من قلب النظام القائم للمقاولات العائلية الكلاسيكية، ودخلت مغامرة الاستثمار في مناطق أخرى. فـ«مجموعة سهام» التي تأسست في 1995 هي المؤمن الرئيس على الصعيد الإفريقي، فيما واكبت «مجموعة الضحى»، بعد ذلك بسبع سنوات، مرفوقة بشركات إنتاج الإسمنت، أنس الصفريوي في مسلسل توسيع استراتيجيته داخل العديد من الدول الإفريقية الفرانكفونية بجنوب الصحراء.

يبقى أنه سيكون على هذه الديناميكية الرأسمالية العائلية المغربية أن تواجه تحديا حقيقيا: هو تحدي تجدد الأجيال، في الوقت الذي أصبح سن عدد كبير من «الباطرونات المؤسسين» يتجاوز السبعين سنة، فقد تم تدبير الوضع إلى حدود الآن بشكل مختلف، حيث دخلت مقاولات عائلية كبرى مرحلة انتقالية حقيقية، أدت في بعض الحالات إلى توارث التسيير الناجح داخل مجموعات عائلية مغربية كبرى، خصوصا على رأس مجموعة «هولماركوم»، بعد وفاة عبد القادر بنصالح في التسعينات، وداخل مجموعة سفاري التي سلم مؤسسها كريم العمراني المشعل لابنته سعيدة. ولكن، في المجموع، يبقى التطور بطيئا، إذ تغيرت طرق التدبير والتسيير، وتمت عصرنة التقنيات، لكن السلطة تبقى بشكل رئيسي بين يدي رئيس العائلة أو مجلس العائلة.

من النادر أن تشهد كل هذه المقاولات ما يعرف برسم «فصل أنجلوساكسوني» بين حيازة الرأسمال وبين التسيير، مرفوقا بإقامة أجهزة مستقلة بشكل واضح: مجلس العائلة، ومجلس الإدارة (الإدارة العامة)، لكن الوفاة المفاجئة في بداية يناير من هذه السنة لرئيس مجموعة كولورادو، فريد برادة، هزت بشكل عميق العالم الاقتصادي المغربي. ذلك أن عائلة برادة توجد هي أيضا ضمن قائمة المقاولات العائلية الكبرى في المغرب. وكان يمكن أن يخلف اختفاء الرئيس صعوبات كبيرة للشركة، ولكن، لأن هذه الأخيرة مدرجة في البورصة، فقد عرف المساهمون كيف يواجهون الوضع سريعا، وقاموا باختيار مدير عام من خارج العائلة، وفصل هذا المنصب عن منصب رئيس مجلس الإدارة، واللذان كانا تحت سيطرة العائلة.

بالنسبة إلى البنك المغربي للتجارة الخارجية، ورغم أنه مدرج في البورصة، فإنه لا يتوفر إلا على متصرف وحيد مستقل بشكل حقيقي (عادل الدويري)، من أصل 12 متصرفا. على العكس من ذلك، تتوفر مجموعة الضحى منذ 2012 على متصرفين مستقلين حقيقيين من أصل أربعة أعضاء داخل مجلسها الإداري، وهو نموذج يجب تحسينه، وخاصة من أجل إعطاء المثال «للنسيج الاقتصادي المغربي»، الذي يتشكل من 95 في المائة من المقاولات الصغرى والمتوسطة، على مستوى التغيير التدريجي لطرق الحكامة الموسومة بالأبوية التي مازالت تتحكم في تسيير المقاولات العائلية الكبرى».

 اليوم24

عذراً التعليقات مغلقة