Ad Space
الرئيسية وطنيات روبورتاج : واحة ” تمسوقت ” بطاطا : قصة موت وانبعاث متكررة

روبورتاج : واحة ” تمسوقت ” بطاطا : قصة موت وانبعاث متكررة

كتبه كتب في 24 يناير 2012 - 00:19

على بعد حوالي 25 كيلـومتر من المركز الحضري لفم الحصن بإقليم طاطا تقبع معلمة تاريخية تشهد على آثار الإنسان المغربي الذي مر من هناك منذ الأزل، إنها واحة “تمسوقت”  وتعني بالأمازيغية “السوق”، ومن اسمها يستشف أنها كانت محطة تجارية لقوافل الصحراء، وهو ما تؤكده الروايات الشفهية والتي تثبت أن “تمسوقت” لها تاريخ عريق يعود إلى عهد المرابطين، وكانت القوافل التجارية التي تعبر الصحراء تمر من تمدولت –ضاحية أقا – تتوقف بها للراحة ولبيع قسط من سلعها للقبائل المجاورة. وتلك المكانة الاقتصادية هي ما ضمن لتمسوقت أن تزدهر حياة ساكنتها آنذاك ومعها كل مناحي حياتهم الاجتماعية.

 إلا أنه وحسب نفس الرواية الشفوية، فقد تعرضت المنطقة إلى موجة من الهجرة، نتيجة ما يحكى من تنامي وتكاثر أسراب هائلة من الزنابير هناك لكون المنطقة قريبة من وادي درعة الدائم الجريان في تلك الحقبة التاريخية. هذا بالإضافة إلى تعرض المنطقة وأهلها إلى موجة من سنوات القحط والمجاعة وهو ما اصطلح عليه محليا بـ “الناموح”. منذ تلك الهجرات الأولى عن المنطقة، دخلت واحة تمسوقت مساحة الظل من تاريخ المنطقة، وتناستها أقلام المؤرخين، فبقيت أرضا خلاء تفتقر إلى معالم الحياة سوى ما دل عليه اسمها الذي يختزن ذاكرة حية.

انبعاث أول من رفات الماضي

أواخر القرن العشرين وتحديدا عام 1968 ـ حسب روايات محلية ـ اهتدى بعض الرعاة الرحل المترددين على المنطقة إلى إعادة معالم الحياة وملامحها من خلال حفر بئر لسقي ماشيتهم وسد حاجياتهم من الماء، فكان ذلك بمثابة إعلان جديد لانبعاث تمسوقت من كمون حضاري إلى نهضة حياتية ذبت في أوصالها، فجادت أعماق أراضيها على الرحل بالمياه الوافرة. فما كان من هؤلاء إلا أن قرروا حفر خطارات لتحويل الماء إلى ساقية.

 وحسب أحد شيوج المنطقة فقد كانت تلك العملية مناسبة لاكتشاف بقايا ساقية قديمة تحت الأرض على عمق مترين تقريبا، وكذا رسومات منقوشة على صخور الجبال المطلة عليها، مما زكى فرضية تواجد السكان هناك منذ الأزل. وحسب نفس المصدر فقد تطلب العمل من أهالي تمسوقت الجدد ثلاث سنوات متتالية سخروا فيه إمكانياتهم الذاتية والمحدودة لإنجاز شبكة مد القنوات المائية. وبحلول سنة 1971 قام أهالي تمسوقت باستصلاح الأراضي التي تفيض عليها الساقية وبدؤوا في استغلالها، ثم شيدوا منازلهم وتحولوا من رحل يجولون في الصحراء إلى مالكين لحقول وضيعات فلاحية، وفقط  في ظرف سنتين تقريبا تمكنوا من إيصال منتجاتهم الفلاحية من تمور وخضر ولحوم وألبان إلى الأسواق المحلية المجاورة لتعود تمسوقت إلى مجدها القديم.

مناوشات أعداء الوحدة الترابية تقوض مكتسبات تمسوقت وتجبر سكانها على النزوح

الموقع الجغرافي لتمسوقت القريب جدا من الحدود الجزائرية مع المغرب خاصة القرب من تندوف معقل جبهة البوليساريو (حوالي 30 كيلو متر) جعل تمسوقت سنة 1977 هدفا سهلا لمناوشات متكررة واقتحامات مباغتة من فلول مرتزقة البوليساريو، وكان ذلك سببا أقلق راحة أهلها وسببا كافيا ليعيد التاريخ نفسه من حيث النزوح الجماعي لسكانها عنها، لكن هذه المرة مجبرين، واستجابة لمطالبتهم من قبل السلطات المغربية بمغادرة المنطقة حفاظا على أرواحهم من هجمات العدو. فعادت “جنة” تمسوقت قرية “للأشباح”، وعبثت بها صروف الدهر وعوامل التعرية، فاجثت نخيلها وتهدمت ساقيتها ومنازلها، وانهدم بئرها وانمحت من على الأرض حقولها وبساتينها. ومن حاضرة فم الحصن بقي النازحون من تمسوقت يرقبون مصير واحتهم على بعد 25 كيلومترا والأمل ضل يحدوهم بالعودة يوما إلى الديار فيعيدوا جريان الساقية ودوارن الدولاب على البئر، وفي انتظار ذلك كانوا يلقنون كل من ازداد من أبنائهم تاريخ تمسوقت وأمانة الأمل في العودة إليها.

وفاء الأبناء بعهد الآباء على انبعاث تمسوقت

سنة بعد أخرى ومع توالي الوفيات في صفوف الأصول والشيوخ الضابطين والحافظين لمعالم الواحدة وتاريخها، واغتناما للمستجدات الميدانية والسياسية في قضية الوحدة الترابية التي جعلت المنطقة في مأمن من هجمات البوليساريو، اشتد العزم على تحدى الزمن، وبعد ثلاثة عقود من النزوح، وفي غشت 2008 عقد شباب واحة تمسوقت المقيمين بفم الحصن العزم على تنزيل حلم الآباء على أرض الواقع، ووضع خطة طريق لإنقاذ واحتهم وبعثها من جديد فأسسوا لهم جمعية  “تمسوقت – تكمرات”  للتنمية إطارا للتفكير الجماعي في قضيتهم وآلية تنظيمية لتوحيد جهودهم.

ومنذ ذلك الحين والجمعية ماضية في تشخيص حاجيات الواحة  من خلال الوقوف الميداني لأعضائها على واقع الواحة ومعالمها المادية، وكذا تجميع الروايات الشفوية ممن تبقى من الحفاظ والمعمرين من الأجداد والآباء، وحسب رئيس الجمعية فقد تم تحديد أولويات لخطة إحياء تمسوقت بتنسيق تام مع المجلس البلدي لفم الحصن في إطار مخططه التنموي الذي راعى في عدد من برامجه خصوصيات المنطقة ويستهدف الواحات باعتبارها المدخل الحقيقي والركيزة الأساسية للتنمية المستدامة بالمنطقة، كما تنجز الجمعية برنامجها الطموح بشراكة مع برنامج إنقاذ الواحـات. وكان الأسبوع الأخير من السنة التي ودعناها أول الغيث في ما تعد به الجمعية من خطوات عملية على درب تنزيل حلم جيل بأكمله من أبناء تمسوقت حيث نفذت الجمعية الشطر الأول من برنامجها بسواعد شباب تمسوقت مدعومين  بشباب ونساء فم الحصن وبفعاليات جمعوية وسياسية، فأعادوا تشغيل البئر بمضخات تعمل بالطاقة الشمسية، وقاموا بغرس مائة نخلة وربطوا أحواضها بقنوات أرضية لريها من البئر، وتفقدوا آثار وأطلال منازل أجدادهم، ورسما لآفاق برنامج الجمعية أكد محمد أوضور رئيس المجلس الحضري لفم الحصن أن هذه الخطوة تأتي “لإعادة إعمار واحة تمسوقت تفعيلا لأهداف برنامج الواحات خاصة أن المنطقة كانت معروفة بمؤهلاتها الفلاحية وجودة تربتها المنتجة لنوع خاص من التمور” وأضاف أن “ما تضمنته الزيارة الأولى لتمسوقت ما هي إلا بداية لبرنامج سيستمر في مراحل قامة بأنشطة أخرى أكثر كثافة وتنوعا وشاملا لمجالات تنموية عدة سينجز بشراكة مع السكان الأصليين للمنطقة والمجالس المنتخبة ووكالة تنمية الأقاليم الجنوبية”.  وحتى تعزز الدولة جهود أبناء تمسوقت يلح هؤلاء على ضرورة إدماج واحتهم ضمن المناطق المعنية بإجراءات التعويض وجبر الضرر الجماعي للساكنة التي عانت من أحداث تاريخية لبلادنا وأدى أبناؤها ومنطقتهم وتاريخهم وذاكرتهم كلفتها التنموية بتوقف عجلة الزمان والتنمية بها.

تيزنيت: سوس بلوس

 

مشاركة
تعليقات الزوار ( 1116 )

التعليقات مغلقة.