وجدت أحسن حل لصندوق المقاصة في أحد المنتديات. وهو حل لا يثير أي فتنة. وأوافيكم الآن بعنوان المنتدى والحل. وأرجو الصبر على طول المقال النسبي.

السبيل القويم لحل إشكالية الدعم.

شملادر

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الإجراءات الواجب اتخاذها من لدن الحكومة من أجل حل إشكالية صندوق المقاصة. ونحن ، وإن كنا قد اطلعنا على بعض الآراء القيمة والمهمة التي أدلى بها بعض الباحثين في هذا الصدد، إلا أننا لا نعلم على وجه التحديد ما الذي تزمع الحكومة القيام به من أجل التصدي لهذه المعضلة؛ وإن كنا نظن أن الاتجاه الحكومي يسير بصفة عامة في سياق التخلي التدريجي عن هذا الدعم، لكي يتم الخلوص في النهاية إلى تحرير الأسعار مع تمكين الفئات الفقيرة من دعم مالي مباشر. غير أن كل التدابير التي تنحو هذا النحو لن تحل الإشكال، بل إنها ستؤدي إلى فتنة، الله وحده يعلم مداها.

ولذلك ارتأينا أن نقدم بعض الحلول العملية البسيطة؛ وهي حلول تستند -في نظرنا- إلى تدبير استراتيجي عقلاني، وليس إلى سياسة ترقيعية مؤقتة. وقبل صياغة هذه الحلول، أصرح منذ الآن أنني لست متخصصا في مجال الاقتصاد، وإنما انطلقت من باب أنني أحسست بالمشكلة وألممت بها وأعطيتها ما تستحق من الفكر والعناء وشفعت ذلك بشيء من الدراسة، هذا من جهة ، ومن جهة أخري فإني لا أدعي أن هذه الحلول هي آخر ما نزل، بل ينبغي فقط التأكيد على أنها تدخل في إطار المثل القائل : “أول الغيث قطرة”.

ثم إن الذي دعاني إلى التفكير في هذا الموضوع من الزاوية التنظيرية، هو ما يتم تداوله من طرف مؤيدي الحكومات المتعاقبة ومعارضيها على السواء من أن هذه الحكومات لا تمتلك من التدابير لحل المعضلات إلا ما كان موضة جاهزة دون أن تبذل ما يكفي من الوسع والاجتهاد من أجل ابتكار حلول جديدة. ومن قبيل ذلك أن الحكومات ليس لها من الابتكار إلا الزيادة في الأسعار من أجل ترقيع ثقوب الميزانية،فهذا مما تواصى به المسئولون أولهم وآخرهم. ويكمن الاختلاف فقط في أن الحكومات السابقة كانت تستغل انشغال المغاربة بمباريات كرة القدم لكي تزيد في الأسعار من طرف خفي؛ بينما لم تفعل الحكومة الحالية ذلك إلا بعد أن أشعرت المغاربة بالأزمة إعلاميا ثم عولت على صبرهم وتفهمهم.

وبطبيعة الحال نحن لسنا ضد الرفع من الأسعار إن كان ذلك ضروريا ويحتمه التدبير الاستراتيجي، خاصة إذا لم يؤثر هذا الرفع على القدرة الشرائية للمواطنين،وأيضا إذا صاحبه صدق وشفافية يفضيان إلى إعادة إنزال الأسعار إلى مستواها بعد زوال موجبات الرفع منها، وهذا لعمري لا يتوقعه أحد إلا أن يكون الاستغراق في الحلم دأبه.

نعم قد تتبنى الحكومة بعض الإجراءات الموازية الهادفة إلى التقليص من حدة الأزمة أو إلى التمهيد لتقبل الإجراءات اللاحقة ، وذلك كما فعلت بخصوص الزيادة في منح الطلبة ورواتب المعاشات؛ ونحن وإن كنا لا نقلل من أهمية تلك الإجراءات الفريدة، إلا أننا ومن باب النصيحة للحكومة وفي إطار يرمي إلى النقد البناء لعملها والتنويه بما كان حسنا منه،ندلي بالمقترحات التي سنصوغها في هذا المقال. ولا تدخل مقالتنا في إطار خطاب تحريضي يرمي إلى مواجهة الحكومة بعبارة من قبيل:”لا حسن إلا ما قبحتموه ولا قبيح إلا ما حسنتموه”.وبالطبع عندما نتحدث عن الحكومة فإننا لا نتحدث عن حزب بعينه،بل إننا نعني جميع مكوناتها التي تستحق التنويه والدعم المعنوي بسبب تحملها المسؤولية في هذا الظرف الحساس من تاريخ المغرب.

وإذا كانت الحكومات ، ومن بينها الحكومة الحالية قد دأبت لحد الآن على تبني حلول الموضة-إلا في ما ندر- فنحن نستغرب لذلك من جهتين؛ تتعلق أولاهما بمدى وجود أو عدم وجود أناس أكفاء متخصصين ممن ينتمون إلى الأحزاب يبتكرون الحلول الناجعة وغير المكلفة، وتتعلق الثانية منهما بأن الابتكار في مجال الحلول لا يستدعي بالضرورة الإتيان بشيء جديد خلق من عدم لم يسبق إليه أول ولا آخر، بل إن هذه الحلول تجدها مبثوثة في بطون الكتب ، ومنها ما تبنته تشريعات الدول المتقدمة في الإطار الذي يناسب أعرافها، فلا ضير من الاقتباس مع مراعاة السياق، بل إن أعظم تلك الحلول هي تلك التي أشبعها فقهاؤنا المسلمون دراسة ولاسيما المالكية منهم ، إذ لم يتركوا بابا من أبواب المعاملات إلا وأحاطوه بالتقعيد والتنظير، فقط لو كان أصحاب الأحزاب ووزراء الحكومة يدرسون.

ألا ترى كيف أن علماء اليابان ذهبوا إلى الشريعة والفقه الإسلاميين واقتبسوا من مبادئ الأولى وأحكام الثاني بعضا مما حلوا به أزمتهم المالية، ونحن أولى منهم بذلك إذ الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها، وليس في هذا الأمر دعوة إلى تطبيق الشريعة حتى لا يؤخذ الأمر بحساسية، إذ لا أحد يستطيع أن يتهم اليابان بأنها طبقت الشريعة.

ونحن نرى في كل الأحوال أن الشريعة الإسلامية مطبقة في العالم بأسره لأن معظم التشريعات تستند في سن الأحكام المدنية والتجارية على الخصوص إلى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة التي ليست في مجملها إلا نواميس كونية بثها الله في الطبيعة لا تحابي مؤمنا ولا كافرا ، فمن أخذ بها أخذ بحظه من العلم والتقدم ومن تركها كان له كفل من الجهل والتخلف. ومن هذا القبيل ما ذكره ابن تيمية رحمه الله من أن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة ويخذل الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة.

إن التدابير التي ندعو إلى اتباعها تحتاج إلى أن تستند إلى عقيدة اقتصادية تتبناها الدولة في إطار استمرارية أداء المرافق والمؤسسات، ومن مقتضى تلك العقيدة أن النظام الاقتصادي ينبغي أن يكون قائما على الهداية لا على الجباية، فمن غير المعقول أن تظل الدولة معولة في أغلب مواردها على ما تحصله من الضرائب.ومن مقتضاها أيضا الرأفة بالمواطنين والحفاظ على قدرتهم الشرائية من منطلق أن ذلك هو الذي سيفضي إلى الإنتاج بما يقلص التضخم أو يلغيه، وليس من مقتضيات العقيدة الاقتصادية للدولة أن تترك المواطن المسكين عرضة لشركات التدبير المفوض تنهب المواطنين وتثري على حسابهم بدون سبب.فلا ينبغي أن تتراجع الدولة عن واجب المراقبة والردع مهما كانت المبررات، فهذا هو الذي يضفي عليها الهيبة ويجعل المواطنين المستضعفين يثقون فيها.

وبناء على ما ذكر فإن التدابير المباشرة التي ندعو إليها لحل مشكل صندوق المقاصة تتلخص في ما يلي:

1-ينبغي أن تؤسس الدولة مجموعة شركات تابعة لها تتشكل من شركة قابضة وشركات فرعية، وتتكلف كل واحدة من هذه الشركات بتدبير إحدى القطاعات الحيوية التي تحظى حاليا بالدعم، كأن تتكلف شركة بالسكر والأخرى بالدقيق والأخرى بغاز البوطان وهكذا، على أن لا يسمح بتأسيس أكثر من شركة على مستوى القطاع الواحد . ولا يضر الدولة أن تستعين بأطر القطاع الخاص وبالرأسمال الأجنبي طالما أن الدولة هي الشخص المعنوي المخول له تسيير تلك الشركات، لكن ينبغي أن تكون كل تلك الشركات مغربية.

2-ينبغي أن تعمل الدولة على الدعوة – عبر المساطر القانونية المتبعة- إلى إنشاء شركات يملكها الخواص، تعنى كل واحدة منها بتدبير قطاع من القطاعات التي تحظى بالدعم حاليا، وينبغي أن لا يسمح بأن تتأسس أكثر من ثلاث شركات على مستوى القطاع الواحد وألا يسمح للشركات بالاندماج أو تأسيس مجموعة شركات إلا إذا كانت كل منها تتصرف في قطاع مختلف عن الآخر، فيجوز مثلا أن تتحد شركة السكر مع شركة الدقيق والغاز، ولا يجوز للشركات الثلاثة المشتغلة في قطاع السكر أن تتحد في ما بينها. وأيضا لا ينبغي لهذه الشركات الخاصة أن تكون اتحادا مع أي شركة أخرى لا تشتغل في مجال القطاعات المدعمة.

وينبغي أن تكون كل شركة من الشركات التي ندعو إلى إنشائها قادرة على تدبير جميع مراحل الدورة الاقتصادية للقطاع المدعم من إنتاج وتعبئة وتوزيع وغيرها.نعم يمكن أن تكون كل شركة من هذه الشركات هي الشركة القابضة لمجموعة من الشركات المتفرعة عنها بحيث يختص كل فرع منها بتدبير جزء من الدورة الاقتصادية المتعلقة بالقطاعات المدعمة.

ونرى أنه لا مانع يمنع من أن تكون واحدة فقط من هذه الشركات شركة ذات جنسية أجنبية بحسب الأصل، إلا أن ذلك مشروط بأن لا تكون شركة قابضة لشركات أجنبية ولا فرعا لشركة أجنبية قابضة. ويمكن أن تتحد مع الشركات المغربية في السياق الذي ذكرناه آنفا.

3-يتم إعفاء مجموعة الشركات التابعة للدولة من الضرائب، أما الشركات الخاصة فيتم إقرار امتياز ضريبي لفائدتها بحيث لا تؤدي أكثر من 9% من الضريبة على الشركات، مع وجوب إلغاء الضريبة على القيمة المضافة في مجال السلع الحيوية(المدعمة حاليا).

4-ينبغي أن يتم إقرار سعر لكل مادة من المواد الحيوية بمراعاة الحد الأدنى والحد الأقصى، فالشركات العامة تبيع بالسعر الأدنى المحدد دون أن تنقص عنه ولو درهما، والشركات الخاصة تبيع بما لا يقل عن السعر الأدنى ولا يزيد عن السعر الأقصى، مع مراعاة أن الفرق بين السعرين لا ينبغي أن يتجاوز قدرا كبيرا، ونحن نحدده في الثلث يزيد قليلا أو ينقص . فمثلا يمكن أن يكون الحد الأدنى لغاز البوطان هو 40 درهما والحد الأقصى هو 54 درهما. فالشركات الخاصة تبيع ضمن هذه الحدود والضريبة التي تحدثنا عنها آنفا يزيد سعرها وينقص بحسب ذلك.

وقد يقول قائل بأن الأسعار تتأثر بالتقلبات الاقتصادية الدولية، ونحن نواجه هذا الاعتراض بأن ارتفاع أسعار المواد الأولية المستقدمة من الخارج ينبغي أن يواجه بإقرار تخفيض من الضريبة أو الإعفاء منها في حق الشركات التي تنتج السلع المدعمة المستخرجة من تلك المواد كما هو الشأن بالنسبة لمادة البترول.

5-ما تحصله الدولة من أرباح ينبغي أن يوجه لأداء أجور المستخدمين وتكاليف الإنتاج ، والباقي يستخدم من أجل إنجاز مشاريع لفائدة المواطنين وترقيع ثقوب الميزانية إن وجدت ، ويمكن أن يتم توجيهه لدعم بعض الفئات التي تعاني الهشاشة، في بعض الحالات لكن شريطة أن يتم ضبط هذا الأمر بصورة لا تؤدي إلى الفتنة الناتجة عن ادعاء الجميع الفقر والهشاشة.

فمن شأن هذه الإجراءات أن توفر للدولة موارد خارج المنظومة الضريبية وأن تقوي القدرة الشرائية للمواطنين مما يدفعهم إلى الإنتاج ، وهذا خير من أن يقفوا في الصفوف والطوابير يستجدون الدعم القليل.

وينبغي أيضا سن مجموعة من الإجراءات الموازية التي تؤدي إلى نجاح ما دعونا إليه، وذلك من قبيل أننا ندعو إلى أن لا يسمح المشهد التجمعاتي بظهور أكثر من عدد معين من الشركات داخل القطاع الواحد ، وقد حددناه نحن في ثلاثة، وذلك نشبهه بما يجري به العمل في الميدان البنكي ، إذ لا يسمح المشهد المصرفي لحد الساعة – بحسب علمنا- بظهور أكثر من سبعة بنوك على الساحة.

ويعد تفعيل مجالس الرقابة داخل الشركات التي تشتغل في مجال السلع ( المدعمة) من أكثر الإجراءات التي ندعو إليها. كما ينبغي أن تظهر الرقابة المسندة إلى المحاكم المالية بصورة أعمق في هذا المجال.

وينبغي أيضا أن تعمل الدولة على عدم تمتيع الشركات المنشأة حديثا سواء تلك التي تشتغل في قطاع (الدعم) أو تلك التي تشتغل خارجه بالإعفاء الضريبي إلا في حدود ثلاث سنوات ، وكل شركة قامت بالتدليس من أجل أن تخضع لمسطرة صعوبات المقاولة ينبغي مباشرة أن تؤمم من طرف الدولة ويعاقب المسئولون ؛ وبالطبع نحن لا ندعو إلى التأميم الدائم، بل إن هذا التأميم ينبغي أن يستمر إلى أن تصبح الشركة في ملكية شركاء آخرين ينتمون إلى القطاع الخاص.

وقد يعترض على الإجراءات التي دعونا إليها خاصة ما تعلق بإنشاء شركات تكون الدولة هي التي تسيرها بأن الدولة لا ينبغي لها أن تجمع بين السلطة والثروة. ونحن نرد على ذلك بأن هذا الجمع لا يقضي بأن تذهب الأرباح إلى ملكية الدولة الخاصة بل هي تخصص لإنجاز مشاريع ودعم اجتماعي لفائدة المواطنين .

وقد يقال بأن الامتياز الضريبي الذي تستفيد منه الشركات سيفضي إلى أن يسعى الجميع إلى العمل في قطاع الدعم. ونحن نقول إن الشركات المدعمة ينبغي إن تشتغل في إطار القيود التي رسمناها وتخضع لمسطرة شفافة عند انتقائها. ثم لا ضرر من استفادة عديد من القطاعات من هذه التقنية لأن الأموال التي كانت تنفق في دعم الشركات (الغنية) هي نفسها التي كانت تجنيها الدولة من المواطنين البسطاء إما عن طريق الرفع من الأسعار أو عن طريق الضرائب. أما وقد اكتفى المواطنون بأنفسهم ففي ذلك إيذان بأن تستغني الدولة عن الرفع من الأسعار وفرض الضرائب من أجل توجيه الموارد إلى الدعم.وبهذا الإجراء سترتفع القدرة الشرائية للمواطنين ومعها سيرتفع الإنتاج وينخفض التضخم، إذ أن ما حسبناه ضاع هناك هو الذي استرجعناه من هنا، فأبصر به وأعجب من مغنم لا يراه على الجلية إلا من غلب على فكره منطق الهداية لا منطق الجباية.