الحكومة الإسلامية..بين مثالية الخطاب وشراسة الواقع

سوس بلوس
اراء ومواقف
19 يناير 2012
الحكومة الإسلامية..بين مثالية الخطاب وشراسة الواقع

مع التصاعد اللافت في صوت الاحتجاجات الذي واكبت ميلاد الحكومة الجديدة، قد يجد معه بن كيران نفسه مضطرا في المستقبل القريب جدا إلى صياغة خطاب جديد،  يصحح الفهم الخاطئ لكثير من ملايين الشعب المتضرر من السياسات الحكومية السابقة لخطاب الحملة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية وما تلاه من إشارات كانت واضحة للرئيس الحكومي المعين، حيث أكد في أول تصريح له، وهو خارج لتوه حاملا قرار تعيينه رئيسا للحكومة أن عهد الفساد قد ولى، وان كتاب الديمقراطية قد فتح في المغرب ..ما تمّ التقاطه من فئات واسعة من الشعب المغربي على نحو مجانب للواقعية ، فبدأت ساعة الترقب في الاشتغال، وبادر الكثير من الآلاف في صفوف العاطلين إلى النزوح إلى العاصمة من اجل الضغط على الحكومة لتنزيل هذا الخطاب في البرنامج الحكومي المرتقب عرضه على أنظار مجلس النواب في أفق تحويله إلى واقع، ومنهم من رفع شعار التشغيل فورا ووعودا عملية من جانب حكومة لم تنصب بعد، ولم تعرف ما في جعبة وزاراتها ، وهو الأمر الذي لايمكن التنبؤ له بأي نتيجة تكون مرضية للطرفين، تعيد الهدوء إلى الشارع المغربي، لأن ما فهم من قبل الكثير من أفراد شعبنا، هو أن الحكومة الجديدة التي يقودها الحزب الإسلامي، العدالة والتنمية، ستبعث الروح في كل التطلعات والأحلام المعطلة، وأن أسواق التشغيل ستفتح ابوايها في وجه الخريجين وان المواطن سيجد نفسه مع إدارة أخرى، غير الإدارة المتخلفة التي دأب على التعايش معها مكرها، وان المال سيجري بين أيدي الناس، وان ينابيع التقدم والتطور ستتفجر بكل مكان، نعم، هكذا فهم بسطاء الناس و معهم العاطلون والمتدمرون والمحبطون من السياسات الحكومية السابقة، وهكذا تم، كذلك، التوسع في تسويق هذا الفهم من قبل الكثير من الجهات التي رأت في الصورة مصيدة للحزب الذي يقود التجربة الحكومية،  ما ينبئ أن عبد الاله بنكيران سيواجه في القريب من الشهور الكثير من المتاعب لإقناع هذه الفئة من الشعب المغربي بان السبيل إلى تحقيق التقدم و الشغل لكافة المحتاجين له،  الذين يعدون بالملايين ليس بالقصير، وان الطريق إليه شاق ويتطلب الكثير من الصبر والجهد والتضحيات، وقد يجد نفسه  أمام فئات،  من شدة الخصاص والأضرار الاجتماعية والاقتصادية  التي توالت عليها طوال سنوات من العبث والمقاربات الحكومية الخاطئة، لم تعد قادرة  على الانتظار، ولا حتى مستعدة لسماع الفكرة،  لأنها ملت من الخطاب الانتظاري.

إن ما تعرفه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية من هشاشة في المغرب، يتجاوز علاجها بكثير المقاربات المستنبطة من خطاب العدالة والتنمية، سواء أثناء الحملة الانتخابية أو بعد إعلان النتائج النهائية للانتخابات، فالقول بالوصول إلى 7 في المائة كنسبة نمو، وأن كل نقطة واحدة قادرة على توفير ثلاثين ألف فرصة عمل، هو تحليل، إذا تمّت قراءته من زاوية الاعتبارات التي تقوم عليها الرؤية، سيبدو مثاليا،  لأنه يعول  على  القضاء عن الفساد، الذي يقول أن سحقه سيخلف لوحده نقطتين، وكأن تراكمات نصف قرن من الفساد، يعتبر تفكيكها بكل هذه السهول التي يتصورها حزب العدالة والتنمية، فالفساد في المغرب له جذور ضاربة في العمق، وان أي معركة ضده، فهي بالتأكيد تحتاج إلى سنين من المواجهة الشرسة، والى شجاعة نادرة، وقرارات لا سابق لها، لا احد يعتقد أن الصلاحيات العارية من السلطة كافية لتغطيتها…هو فعلا،  الحلم بالقضاء عن الفساد ليس بالمعجزة، ولكن ليس بما يشبه التمني، فهناك الكثير من الدول سبقتنا إلى التجربة، ولكنها آمنت أن الإرادة السياسية الحازمة وحدهما القادرة على سحق رؤوس الفساد، مثلما أن مغادرة قلاع التأخر الاقتصادي وتحقيق الرفاه لكافة فئات الشعب ليست لها حلول في الأفق المنظور، فمجمل الدول التي كانت تشبهنا في التخلف بأمريكا اللاتينية وآسيا، حين قررت أن تقلع، احتاجت إلى  عقدين أو ما يزيد  من الاشتغال والمعارك الضارية ضد الفساد والمفسدين والحرص على تحقيق  نسب نمو لا تقل عن السبعة في المائة سنويا لعشرين سنة، وليس لخمس سنوات.

عذراً التعليقات مغلقة