Ad Space
الرئيسية الصحة مأساة يافع دخل المستشفى لوضع جبيرة فخرج من هيكلا عظميا…

مأساة يافع دخل المستشفى لوضع جبيرة فخرج من هيكلا عظميا…

كتبه كتب في 4 ديسمبر 2012 - 11:30

من توعك في مباراة لكرة القدم إلى غرفة إنعاش وغيبوبة دامت ستة أشهر.. ارتباك في إدارة المستشفى وتهرب من توضيح المعطيات  مصادر قريبة من الملف تؤكد وجود خطإ طبي نتيجة عطل في جهاز التنفس الاصطناعي، تعطل الجهاز تم أثناء إجراء العملية الجراحية ليدمر أنسجة لدى المريض عصام صالحي لاعب موهوب نخر المرض جسده المليء بالثقوب وأطراف من جسده تتساقط.

مشهد مريع ومحزن، لكنه فظيع بالنسبة لمن يعرفون اليافع عصام صالحي، فهو اللاعب الموهوب الذي غادرهم بعد انتهاء مباراة في كرة القدم، كان متوعكا، لكنه كان يسير على رجليه، لم يروه منذ ستة أشهر، حتى عادت به أسرته من مستشفى الأطفال ابن سينا بالرباط هيكلا مخيفا، جسده أثخن بالجراح وأجزاء منه تتساقط، وفي شريط المأساة عملية جراحية بسيطة تتحول إلى غيبوبة دامت ستة أشهر، المسؤولون بالمستشفى لا يخوضون في التفاصيل ويكتفون بسرد كرونولوجي لدخول وخروج عصام من المستشفى.

فمن المسؤول؟.

«أبابا راني طحت فالتيران» هي آخر جملة نطق بها الطفل عصام صالحي، قبل أن يتحول إلى هيكل عظمي مخيف، وهي آخر جملة مازالت ترن في أذن والده سعيد، وهي آخر تواصل لوالدته التي افترشت الأرض طيلة ستة أشهر بالقرب من غرفة العناية المركزة بمستشفى الأطفال ابن سينا، قبل أن تضطر لإخراجه من المستشفى بعد أن فقدت الأمل في استعادة ابنها.
هو اليوم ممدد داخل بيت بكاريان دوار بوشيحة بجماعة الهرهورة الذي اضطر الأب أن يجد به بيتا، طيلة اليوم تقصف نظراته المهزومة والديه وأخته، ليتحول البيت إلى جزيرة من الحزن، لم يصدق جيرانه ولا أصدقاؤه ما وقع لعصام الذي كان يصول ويجول داخل ملعب الدوار في مباريات كان يعشقها.

مأساة عائلة بمستشفى الأطفال ابن سينا

حكاية المأساة التي تعيشها أسرة صالحي، تترد بجملة مختصرة تفيض بالحزن «راه اديتو أولدي على رجليه واليوم راني جبتو كادر بلا روح» ، سعيد الذي يعمل بالنقش على الحجر، لم يتمكن من نقش أي تفاصيل على الصورة التي تداهمه في يقظته ونومه، صورة الفتى الممتلئ بالحيوية الذي جاء إلى والده وهو منشغل بالعمل بأحد المناطق القريبة من الملعب الذي كان فيه عصام يلعب مع أقرانه.
جاء عصام وهو يخفي الألم الذي يشعر به، بعد أن سقط على يده وأصيب بتوعك لم يمنعه من إكمال المباراة، والتحق توا بالأب ليذهب سويا على متن الدراجة النارية إلى البيت، ولحظة الوصول طلب سعيد من ابنه هشام أن يأتي بالخبز من الدكان القريب استعدادا لتناول العشاء.
لم يلحظ الوالد أي شيء، فعصام يتذكر تحذيرات الوالد بعدم الإفراط في اللعب، ولذك كانت الأم هي موطن الأسرار، وبحكم سكن العائلة الصغيرة بالقرب من بيت الجدة، فقد كانت هي المؤهلة للكشف عن توعك عصام، وحين بدا لها أن إمكانية إصابته بالتواء أو كسر، استعجلت الأم بضرورة مرافقة الابن إلى المركز الصحي سيدي لحسن التابع للمركز الصحي الصخيرات.
عصام الذي كان في صحة جيدة هو من استدعى سيارة الأجرة التي ركبها رفقة والدته، فيما تبعهما الوالد سعيد على متن دراجته النارية، عصام هو الذي كان بجانب السائق وهو من دفع الفاتورة، هذه التفاصيل الصغيرة تحكيها الوالدة وفي عمقها رغبة في الصراخ «ولدي كان صحيح قبل ما يدخل لسبيطار».
ورقة الفحص التي تسلمتها العائلة من مستعجلات المستوصف بسيدي لحسن، ألزمت الوالدين بضرورة نقله إلى مستشفى الأطفال بمستشفى ابن سينا بالرباط، وهو ما تم فورا، حيث استقل عصام رفقة والدته سيارة أجرة ثانية للالتحاق بمستشفى الأطفال ابن سينا، وتبعهما الوالد مرة أخرى.

عند وصولهم إلى مستشفى الأطفال ابن سينا كان عليهم دفع مصاريف التسجيل، وهو ما تثبته ورقة الدفع المحددة في أربعة مائة درهم، كما طلب منهم إجراء فحص بالراديو، كانت نتيجته ضرورة إجراء عملية بسيطة، بعد تأكد إصابة عصام بكسر، طمأنهم الأطباء بأن لا خطورة محتملة، لكنهم طلبوا منهم الانتظار لأن العملية الجراحية لن تتم قبل الساعة العاشرة مساءا.
لم تكن فترة الانتظار صعبة على الوالدين، لأن عصام  في النهاية سيتخلص من ألمه بعملية، كان كل الجالسين في غرفة الانتظار يطمئنهم عليها، لم تكن التفاصيل الأليمة التي ستعيشها الأسرة بعد العملية الجراحية تخطر على بال أحد، وحين جاء الوقت، سلمت الأسرة ابنها للمشرفين على العملية، الذين طمأنوهم بأنها لن تأخذ وقتا كبيرا.

عملية جراحية تتوقف في قسم الإنعاش

«يفيق من البنج ونسولو» هي عبارة الأمل والثقة التي كانت تخالج والدة عصام، وهي ترد على استفسار الوالد عن احتياطات تغيبه عن الدراسة بعد هذا التوعك المفاجئ، كان الحادث قد وقع عشية يوم الجمعة 24 أبريل الفارط، وفي أكثر تقدير كانت العائلة تتوقع عودة سريعة لعصام إلى إعداديته لاستئناف دراسته.
من الساعة العاشرة إلى حدود منتصف الليل كانت فترة متفاوتة في المشاعر، ففي الساعة الأولى لم يكن هناك كثير توتر، باستثناء الإحساس المدفون في دواخل الوالدين، والذي كانت أدعيتهم وتضرعهم له تقاوم فيه شيطان الوسواس، كانوا ينتظرون عودة ابنهم سليما معافى، وفي كل حركة بالقرب من ردهة قاعة العمليات كانوا يتطلعون لمعرفة الجديد.
مرت الساعات المتوقعة للعملية في ذهن الوالدين محشوة بشريط الذكريات حول ولادة الطفل عصام، من جو الفرحة التي غمرت البيت باعتباره الابن البكر، وما تلاها من حركات الطفولة المنقوشة في ذهنيهما، كانت الصور تتوالى تباعا، وصورة عصام تكبر في أعين الوالدين، وتارة توقف تنهدات عميقة هذا الاسترسال، ليعود شبح تأخر صعوده من غرفة العمليات للاشتغال مرة أخرى.
ومع توالي الدقائق والساعات بدأ الارتياب يتسرب لنفسيتهما، وفي كل مرة يعرب أحدهما عن هذه التخوفات يبادر الثاني بتطمينه وتذكيره بحقيقة العملية الجراحية التي لا تتجاوز جبر كسر بسيط.
استمرت لعبة الخوف والتطمين إلى حدود الساعة الحادية عشرة ليلا ، حين لاحت الطبيبة التي كانت تشرف على العملية وهي تخرج لتطلب من والدة عصام ملء ورقة، لأن الابن سيمكث في المستشفى، اتجهت الأم إلى قسم الشؤون الإدارية فطلبوا منها تأدية مبلغ من المال، فأكدت لهم أن وضعيتها المادية لا تسمح لها بذلك، وبعد فترة عاد المسؤول وطلب منها بطاقة التعريف الوطنية، ثم أعاد لها الورقة.
عادت الأم مسرعة لتسلم الطبيبة الورقة، وحاولت استفسارها عما يجري لكنها لم تظفر بأي شيء، بعد فترة ستخرج الطبيبة مسرعة من قسم الجراحة، بدا الارتباك على الطبيبة في أوجه، وانتقلت عدواه إلى والدة عصام، كانت قد ودعت زوجها بعد برهة حين قدم أخوها لاصطحابها رفقة عصام، بعد دقائق ستعود الطبيبة مسرعة ومعها شخص تبين فيما بعد أنه مسؤول عن التخدير، دخل الاثنان، وتركا أم عصام في حالة توجس وخوف.
«كان قلبي كيضرب بقوة» تقول أم عصام، هي لحظات عنيفة بالنسبة لأم كانت تنتظر عودة الابن من عملية بسيطة، لتجد نفسها في تسارع للأحداث يتجه نحو المجهول، مرت لحظات الانتظار طويلة قبل أن يخرج من اعتبرته طبيبا للتخدير، ليسأل عن أم عصام. وقبل أن يخبرها بأي شيء داهمته بوابل من الأسئلة عن الحالة التي يوجد عليه الابن، بعد أن هدأ من روعها عاد ليلقي بالخبر الصاعق في وجهها.

«ولدك عندو أزمة قلبية»

هذه العبارة أعلاه كانت كافية لتسقط أم عصام في حالة إغماء أربكت الحاضرين الذين سارعوا بتقديم الإسعافات الأولية، حين استفاقت لاحت لها نقالة تخرج من ردهة الجناح، كان عصام ممددا، لم تعرفه كانت تكرر سؤالها عن عصام عدة مرات، الحالة التي كان عليها عصام غيرت من ملامحه، سيل من الزبد منتشر على وجهه وأطرافه، عيناه مغمضتان، كانت النقالة تتجه نحو الطابق الأول حيث يوجد المركب الجراحي للمستعجلات الجراحية، لم تكن أم عصام تعرف هذه التفاصيل، لكن عدم نقل الابن إلى جناح النوم الذي يستقبل المرضى بعد إجراء العمليات الجراحية، واتجاه النقالة نحو غرفة العناية المركزة ضاعفت تخوفات الأم، تسارعت دقات قلبها، لكنها لم تكن على بينة من كل الحقيقة.
«غادي يبات هنا حتى لغدا» هي العبارة التي حصل عليها الوالدان من الممرضة التي كانت ترافق عصام، وزيادة في التخلص من توتر الوالدين خاطبتهما «ماكاين باس راه غدا غادي يفيق»، الطبيبة التي أشرفت إلى جانب مجموعة من الممرضين على العملية الجراحية كانت في غاية التوتر، وعوض أن تتفهم حالة أم عصام خاطبتها بعصبية وطلبت منها مغادرة القاعة.
أم عصام ومعركة سيزيف في قسم الإنعاش
بعد معركة طويلة للمسؤولين بالمركب الجراحي للمستعجلات الجراحية، تمكنوا من استرجاع عصام الذي كان في حالة موت سريري، حينها بدا أن المسؤولين المباشرين على العملية قد تنفسوا الصعداء، انعكس ذلك في الخروج الفوري لأحد الحراس الذي تعاطف مع عصام ليخبر والدته بأنه عاد إلى الحياة وأنه «راه شوية».
بالرغم من الحالة المزرية التي بدا عليها عصام آنذاك، حاولت الأم استجماع قواها للدخول إلى غرفة الإنعاش للنظر في وجهه الذي بدا عليه شحوب قوي، كانت الأسلاك المرتبطة بآلة التنفس الاصطناعي تحاصره من كل جانب، حينها تيقنت الأم أن ولدها قد تعرض لمكروه، وكانت عبارات «راه اعطيتكم ولدي اصحيح» تصعق المسؤولين الذين يعبرون بالقرب منها، لكن الرد الجاهز كان هو «هاد الشي كيوقع».
بعد وصول الخبر إلى عائلة عصام تحول المستشفى إلى قبلة للمواساة، لكن طبيعة البساطة التي تميز العائلة لم يفطن أي أحد للاستفسار عما جرى «حتا واحد ما قال لينا آش نديرو» تقول والدة عصام، بعدها ستبقى الأم وحدها في المشهد تقضي ستة أيام في المستشفى بالقرب من ابنها الذي كانت حالته الصحية في تدهور متواصل، ولا تغادر المستشفى إلا يوم السبت لتعوضها والدتها، حتى تتمكن من زيارة ابنتها ذات التسع سنوات.
طيلة هذه المدة كان الوضع يتفاقم، وفي إحدى المرات توقف تنفس عصام وطلبوا من والدته مرة أخرى أن توقع على التزام بإجراء عملية جراحية في العنق، وتمت العملية ولم تفهم لحد الآن لماذا كانوا يطلبون منها في كل مرة أن توقع أوراق لا تعلم فحواها، بعد إجراء العملية الجراحية تفاقم الوضع، وبالرغم من أن عصام بدأ يفتح عينيه، إلا أنه سرعان ما يغمضهما، وضع طال أمده، ولم تعد الأم قادرة على البقاء بجنبه، وحين طلبت حلا، طلب منها أن توقع على ورقة تطلب فيها إخراج ابنها، وهو ما تم بالفعل في تاريخ 5 أكتوبر الماضي.

إدارة تتهرب ومقربون يؤكدون وجود خطإ طبي

زيارات متعددة للمستشفى، وطلب للتعرف على ملف عصام، انتهى بلقائنا بالممرض الرئيسي لمستشفى الأطفال، الذي اكتفى بتحديد تواريخ دخول وخروج عصام، ووصف الحالة الطبية التي يوجد عليها، حين اعتبر أن عصام تحسن بعد تخلصه من التنفس الاصطناعي، لكن يقول الممرض الرئيسي أصرت والدته على إخراجه من العناية المركزة، وهو ما تم بعد توقيعها لالتزام، وأن المريض يزور المستشفى أسبوعيا لمتابعة حالته.
حالة عصام لها تعاطف داخل المستشفى، وهو ما مكننا من الوصول إلى مصدر قريب من هذه الحالة حيث أكد أن الأمر يتعلق بخطإ طبي، يتعلق بتوقف جهاز التنفس الاصطناعي أثناء إجراء العملية الجراحية، وهو ما ينتج عنه توقف التنفس الاصطناعي، وزاد مصدرنا قائلا «حين يتجاوز توقف التنفس الاصطناعي دقيقتين إلى ثلاث، يتوقف القلب عن العمل وتتعرض خلايا الدماغ للتلف».
ما تعرض له عصام، حسب مصدرنا، من مضاعفات له علاقة بما حدث أثناء العملية الجراحية، وطيلة مكوثه في العناية المركزة كان يعالج بمضادات حيوية، وكان تحت تنفس اصطناعي لمدة طويلة، وأن حالته صعبة. المعطيات التي نقلها المصدر المذكور أكدها عدد من الممرضين الذين يعرفون حالة عصام، يجمعون على أن الأمر لا يتعلق باكتشاف خطير، فالمريض دخل من أجل عملية بسيطة كان بالإمكان إجراؤها في ظرف وجيز، فتحول إلى هيكل عظمي، لاستنتاج ما يجب.

إدارة المستشفى ستكون مطالبة بتوضيح موقفها بعد أن عزمت جمعية أشرف لضحايا الأخطاء الطبية تبني قضية عصام، ووضع شكاية لدى المصالح المختصة للتحقيق فيما جرى لهذا اليافع الذي فقد كل ملامحه، إنصافا له وهو حي، وإنصافا لعائلته التي تحولت حياتها إلى جحيم، الأب متوقف عن العمل، والأم ملتصقة بابنها ليل نهار، وأخته نفرت الدراسة وتعقدت حياتها. لنتابع

الأحداث المغربية

مشاركة