أثر جائحة كورونا بين المؤكد والمثير للجدل

سوس بلوس
sliderاراء ومواقفالرئيسية
21 فبراير 2021
أثر جائحة كورونا بين المؤكد والمثير للجدل

بقلم: اكبيري أسماء

 لقد كشف فيروس كرونا الكثير من الحقائق التي طفت على السطح بمجرد ظهوره في الأشهر الأخيرة من السنة الفارطة) 2019( ، والتي تتلخص فيما آلت إليه المجتمعات والأسر والأفراد والكون من الناحية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والصحية  ، فمنهم من هول من أمر الجائحة ومنهم من هونها ، كل استغلها من وجهة نظره.

  كنا نظن أن المجتمعات الغربية ) كما صورها لنا الإعلام ( تتميز بالتحضر والإنسانية ، إلا أن الأمر عكس ذلك ، ظهرت حقيقتها بمجرد أن انتابها الخوف من فيروس كرونا الذي هول إعلامها من شأنه حتى أثار الهلع في نفوس أفرادها ، حيث سارع الناس  كالمجانين إلى المحلات والمراكز التجارية  الكبرى لاقتناء كل ما طالت أيديهم من مواد غذائية ومواد أخرى أغلبها ورق المرحاض والصابون والمعقمات كأنها نهاية العالم . كل هذه التصرفات اللا معقولة خُطط لها حتى  تخدم اقتصادهم  بشكل كبير ، الذي اختار زعماءها مصالحهم الاقتصادية على الإنسانية ، ناهجين سياسة مناعة القطيع ، حيث فضل كل فرد منهم نفسه على الآخرين  ، مظهرين طبيعتهم الأنانية بالتخلي عن العجزة والمرضى والمعاقين تاركين إياهم للوباء حتى ينهش أرواحهم مفضلين الشباب واليافعين . لكن هذا الوباء لا يميز بين شيخ وشاب وطفل ورضيع، ولا بين غني أو فقير الكل سواسية تحت قبضته.

 كما نجد دولا نهجت سياسة السرقة ، كالاستلاء على كمامات كانت لغيرها ،وأخرى سرقت باخرة محملة بمعقمات طبية، هذه هي الشعوب المتحضرة ظهرت حقيقة نفوسهم الحيوانية المتوحشة ، تلك النفوس التي كان آباءها وأجدادها يبيعون شعوبا بأكملها للاستيطان وجمع المال والثروة ،من الشعوب الفقيرة أو التي وصفتها بالفقر والتخلف والأوبئة  ، حتى تحُكم قبضتها عليها جاعلة من أفرادها عبيدا ينصاعون لأوامرها دون أن يحركوا ساكنا ، من أمثلة ذلك فرضها على شعوب إفريقيا تجربة لقاح مضاد لفيروس كرونا باعتبارهم فئران تجارب.

 وفي المقابل نجد مجتمعات أخرى )دول العالم الثالث( بخست من شأن الوباء واتجه أفرادها  نحو لاستهزاء والسخرية من فيروس كرونا . منهم من يقول أنه مجرد كذبة  اختلقتها أمريكا لتدمير اقتصاد الصين ،  ولإظهار قوتها وجبروتها في الساحة ككل مرة ، كما جاء في بعض مقاطع  الفديوهات التي يتداولها نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي الذين يلتزمون بالحجر الصحي في بيوتهم ، وفيها الصحيح والضعيف والأشبه بالتنبؤات الخرافية التي قدمت تفسيرات لأرقام كرقم” 19 و20 ” يعني سنة الكوارث المهلكة على رأس كل مئة  عام ، فالمسألة أكبر مما يتصورها العقل لأنها جائحة بكل المقاييس وقد

أثرت في حياة الإنسان اليومية نظرا لزعزعتها للاستقرار والأمن الاجتماعي،ومنهم من يقول أن الوباء لن يصيبنا  ماذا سيريد من مجتمعات دمرتها الحروب والجوع و الفقر والجهل والأوبئة ؟ سينتابه الهلع عندما يزورنا وسيعود أدراجه من حيث أتى،لكن مع مرور الأيام والأسابيع صرنا نسمع عن الوباء أنه يتفشى كالهشيم بين الناس ويحصد العديد من الأرواح والإصابات . بالإضافة إلى الفئات الهشة الغير المكترثة بالحجر الصحي وكأنهم غير معنيين بحماية أنفسهم وعائلاتهم من الفيروس ، وكما ظهرت حالات التمرد على التدابير الاحترازية التي اتخذها بلدنا مشكورا لحماية مواطنيه ، وقد وجدت حالات من التدين الغير المفهوم عند بعض الناس الغير الواعين في تصورهم أن فيروس كرونا قضاء الله والوقاية منه هو حديث أطباء فقط ، الشيء الذي جعلهم يخرجون  مهللين في الشوارع  عن ماذا يعبرون

 أما إذا ولجنا المنازل سنجد من المعضلات ما يدمي القلب ، ومن الأمور ما يسر القلب . فبعض الأسر تعيش عنفا ماديا ومعنويا بين الأبناء وبين الزوجين ، ومنهم من يعيش في عزلة وتباعد رغم أنهم تحت سقف واحد ، نجد كلا في ركن خاص به منطوي على هاتف أو  حاسوب  يغوص في أغمار وسائل الاتصال ويعيش مع الألعاب الكترونية التي أصبحت مؤنسهم الوحيد في ظل عزلتهم وحبسهم الاضطراري ، حتى صار البعض إن لم نقل الكثير لا يعرف طعم النوم ولا الراحة النفسية  يعيش في توتر وقلق دائمين بين انتظار حصيلة الوباء وبين صفارات الإسعاف والإشاعات ، أوصلت هذه الفئة لحالة نفسية  حرجة ) كالاكتئاب والانهيار… (

وكما أصفر الوباء عن السلبيات كذلك بين بعض إيجابيات منها : اجتماع أفراد الأسرة بعدما كان كل فرد لا يرى الآخر إلا في آخر النهار ، أصبح  الأبوين أكثر قربا واهتماما بأبنائهم ،وأصبح الزوجين أكثر قربا من بعضهما البعض ، عرف الأبناء قيمة الوالدين ، وعرف آخرون معنى صلة الرحم ، وعرف الطلاب والتلاميذ قيمة المدرسة والفصل والأساتذة . وعرف آخرون قيمة أحداث يومهم التي كانوا يصفونها بالروتين والملل ، وعرفنا جميعا قيمة الحياة التي نعيشها بتفاصيلها الدقيقة  حلوها ومرها.

كما أدركنا الضرر الذي ألحقناه بمحيطنا من كائنات وهواء ، بمجرد أن لزمنا بيوتنا بدأت الأرض تستعيد نشاطها وحيويتها من جديد بعيدا عن الضجيج والتلوث ، حيث أصبحنا نرى الحيوانات تجوب الشوارع وتملأ الأماكن التي كان يملأها البشر ، وانقشع الضباب والغبار الصادرين عن المصانع وعن حركة السير  ، هذا ما وصف بتجديد الأرض كل عاد لمكانه وطبيعته  ، الأمر الذي يبين أن الفي س الحقيقي على وجه الأرض هو الإنسان بطبعه الجشع والتخريبي .

 وعلى هذا الأساس يقدم الفيلسوف الفرنسي ” إدغار موران ” رؤيته لهذا الوباء ، من موقع العارف بالعولمة وما تنتجه من أزمات توجب علينا البحث عن حلول عالمية بديلة ، ليس أقلها إعادة النظر في أنماط معيشتنا ، وأهمها الاستهلاك المتوحش والروابط العائلية والإنسانية والمصير البشري المشترك )1(. كما يقول أن الأزمة الوبائية يجب أن تعلمنا أن نفهم العلم بشكل أفضل وأن نعيش بعدم اليقين . وإعادة اكتشاف شكل من أشكال الإنسانية.

 فالمثير للاهتمام في أزمة فيروس كرونا هو أننا مازلنا غير متأكدين من أصل هذا الفيروس ، ولا على أشكاله المختلفة ، ونوع الناس الذين يهاجمهم،  ودرجات ضرره … ولكننا نمر أيضا بحالة عدم اليقين بشأن عواقب الوباء في جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية.، بالإضافة إلى أن ” إدغار موران ”  يرى أن المصلحة الفردية هيمنت على كل شيء ، والآن أصبح التضامن يقضا. أنظر إلى عالم المستشفيات : كان هذا القطاع في حالة من الانشقاق والسخط العميقين ، ولكن عندما واجه تدفق المرضى  أظهر تضامنا غير عادي . حتى لو كانوا في حجر صحي ، فقد فهم الناس هذا جيدا من خلال التصفيق ، في المساء ، على جميع الأشخاص الذين يكرسون أنفسهم ويعملون من أجلهم . هذه بلا شك لحظة تقدم ، على الأقل على المستوى الوطني)2( .

  كما يدلي المفكر الفرنسي ” ألان تورين ” ، بدلوه في قضايا عدة ، ويخلص إلى أن العالم لم يعد كما كان . يعتقد أنه ستكون هناك كوارث أخرى . سيكون من المدهش للغاية بالنسبة إليه ألا تحدث كوارث إيكلوجية كبيرة في السنوات العشر المقبلة ، لا سيما بعد ضياع السنوات العشر الأخيرة . وينبه إلى أن الأوبئة ليست كل شي ء . يعتقد أننا دخلنا في نوع جديد من المجتمعات ؛ مجتمع الخدمات ، وفق تعبير الاقتصاديين ، لكنه مجتمع الخدمات بين البشر سترفع هذه الأزمة من شأن فئة مقدمي الرعاية ؛ لا يمكن أن يستمر هؤلاء في الحصول على رواتب هزيلة . في الوقت ذاته ، في ظل هذه الأزمات هناك احتمال أن تؤدي صدمة اقتصادية إلى ردود فعل صنفها في خانة الفاشية . لكنه لا يحبذ الحديث كثيرا عن المستقبل ، ويفضل في المقابل التركيز على الحاضر) 3( .

 وفي حوار هاتفي لصحيفة  ” ألباييس ” الإسبانية ، أدلى  ” ألان تورين ” برأيه في أزمة فيروس كرونا وعلق على وصف كل من رؤساء فرنسا وإسبانيا وأمريكا للوضع الحالي بأنه حالة حرب ، قائلا : إن الحرب تدور ببين البشر أو دولتين على الأقل فيغزو جيش أراضي دولة أخرى . في المقابل ، ما نعيشه حاليا هو مواجهة البشر لعدو لا بشري، مؤكدا أنه لا ينتقد استخدام مفردة الحرب ، إلا أن ما يحدث حاليا هو حرب دون مقاتلين) .

 هكذا يكون فيروس كرونا علامة على أزمة حضارية ، سياسية ، اقتصادية واجتماعية ، متعلقة بموت البارديغم التقدمي الذي كان له شأن . ولعل هذا ما يجعل الحياة اليومية ، أبعد ما تكون عن كآبة وضجر، وعلى وعي بأنها في قيامة مستمرة ، إذ لا يمكن أن نزعم إلى تقديم تفسيرات دقيقة لكل ما يحدث لأننا لا نتوفر على دراسات وإحصائيات دقيقة لعلماء الاجتماع واقتصاد وسياسة ، فالدراسات التي تقدم إلى الآن معظمها دراسات علمية كتوصيات الحجر الصحي وتعليمات و احترازات للوقاية من فيروس كرونا.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.