ملف : «اقتصاد» المتعة الجنسية في المغرب

سوس بلوس
أخبار المجتمعالرئيسيةوطنيات
19 نوفمبر 2012
ملف : «اقتصاد» المتعة الجنسية في المغرب

«اقتصاد الجنس في المغرب». تبدأ العبارة وتنتهي مخلفة وراءها العديد من علامات الاستفهام حول معاملات «محظورة» تصطدم بالأمر الواقع. خدمات ساخنة قد تبدأ بدعارة رخيصة في الشارع العام، مقابلها مبلغ من صفر واحد، أو دعارة راقية في شقق أو فيلات بأجر مدفوع قد يصل إلى مبلغ من أربعة أصفار. أطرافها من جميع الشرائح الاجتماعية والمراحل العمرية : عاملات جنس، “جيكولوات” وسماسرة وقواد وسائقو طاكسيات وحراس سيارات وعمارات. خدمات جنسية أصبح لها زبائن أوفياء حتى من خارج المغرب. وأبطالها رجال ونساء وحتى قاصرون وجدوا أنفسهم في حبائل سوق خفية ومنتجة، يتجاوز رقم معاملاتها عشرات الملايير من السنتيمات سنويا.

أجساد ملتصقة تتحرك بعنف، لا يسمع في المكان إلا همهمات وتأوهات ثنائيات جنسية غير متكافئة، جمعت تارة شابا في مقتبل العمر وامرأة في عمر والدته أو جدته، أو كهلا اشتعل رأسه شيبا، وفتاة في عمر الزهور. الكل انخرط في اقتناص لحظات من المتعة الجنسية غير عابئين بالمارة، الذين يستوقفهم المنظر وهم أعلى قنطرة بعين حرودة ضواحي البيضاء، فلا يملكون سوى الاستنكار، لهذه الجرأة غير المسبوقة، شأنهم في ذلك شأن المسافرين الذين يمرون من جنبات «بورديل» الهواء الطلق، على متن القطار. الكل من هواة الجنس الرخيص والسريع يعرف المكان جيدا، فما إن ينتصف اليوم، إلا ويتوافد على تحت القنطرة شباب مختلفي الأعمار وبعض الكهول، متسلحين بالواقيات الذكرية، في انتظار وفود بعض عاملات الجنس إلى مكان «العمل»، وبدأ مهمتهن في تلبية حاجات جنسية ملحة لزبنائهن، بعدما فشلوا في توفير «لوكال» أو غرفة تأوي تلك المتعة.

لحم رخيص ووسيطات للذة

التسعرة محددة ولا خلاف حولها، يكفي ورقة من فئة 20 درهم، لقاء الممارسة الجنسية الواحدة أو الـ«باس» الواحد. قد يحدث في بعض الأحيان أن يختلف الزبون وعاملة الجنس حول مبلغ الخدمة، أو يتعنت الزبون في الدفع، لكنه يفاجئ بشبان يحيطون به من كل الجوانب، يسلبونه كل ما يملك، ويشبعونه ضربا، فتتحول لحظات المتعة التي ساقته إلى المكان إلى فصول من التعذيب على أيدي «فتواة» عاملات الجنس. حضورهم هنا يتجلى في تأمين «عملهن» ومراقبة الأجواء عن كثب مخافة مداهمة الدرك، لقاء عمولات على شكل مبالغ مالية، أو لقاء تلبية رغباتهم الجنسية. ما يدل على نوع من التنظيم في النشاط، لكن عاملات الجنس هنا يشتغلن دون وساطة، مصيرهن بين أيديهن، بعكس زميلاتهن في الخدمة اللواتي يعملن في شقق خاصة معدة للدعارة، تحت رحمة الوسطاء من جهة، وضرورة تلبية رغبات بعض الزبائن الشاذة عبر إجبارهن على الجنس الفموي أو الممارسة الجنسية من الدبر، وما يمكن أن يتعرضن له من عنف وإذلال حاط بكرامتهمن.

نفس المشهد يتكرر في شوارع الدار البيضاء الرئيسية، محمد الخامس، آنفا، الجيش الملكي، والأزقة الخالية المحاذية للحانات الرخيصة، حيث يبحث زبناؤها على متعة جنسية سريعة وغير مكلفة. يتم اصطيادهن من طرف بعض عاملات الجنس المرابطات بالقرب من الحانات. يبحث الإثنان عن أقرب ركن مظلم أو تحت سلم إحدى العمارات السكنية تارة بالتواطؤ مع الحارس، وتارة دون علمه. ممارسة لا تدوم سوى دقائق معدودات، تتقاضى خلاله عاملة الجنس مبلغ 20درهم للممارسة الجنسية الواحدة. قد يكتب لعاملة الجنس أن تصادف زبونا ينوي اصطحابها إلى شقته، ويرتفع بذلك ثمن هذه الخدمة ويصل إلى 200 درهم لقاء المبيت، بالإضافة إلى ما تتطلبه الليلة من أكل وخمور، دون أن تحتاج عاملة الجنس لوسيطة تمتص دمها، عبر أخذ نسبة من مدخولها، لا يمكن أن يقل على 20 درهم.

نفس المبلغ تتقاضاه الوسيطة من الزبون، بعد أن تقوم هي باصطياده، وتتعرف على نوعية المرأة التي يود قضاء الليل معها. عملية الوساطة هاته تكبد عاملات الجنس الرخيص خسائر وتؤثر على مدخولهن، ما جعل أغلبهن يفضلن العمل الحر ومواجهة الزبائن والتفاوض معهم شخصيا، كما هو الحال بالنسبة لـهيام التي تعرضت للاستغلال قرابة السنة، بعدما قادها القدر إلى امتهان الدعارة في منزل بالمدينة القديمة ببوطويل. كانت مجبرة على تلبية رغبات حوالي 20 إلى 25 شخصا في اليوم! ولا ينالها من «عملها» هذا سوى الفتات، حيث كانت تسيطر الوسيطة وصاحبة البيت على مداخيلها، هي وأربع فتيات، قبل أن تتم مداهمة الحي واعتقالهن. قضت «هيام» ستة شهور داخل السجن بتهمة الفساد، وهو ما جعلها تقرر الاستقلال بحياتها بعيدا عن الوسيطة.

هيام هو اسمها « الحركي». شابة في الثلاثينات من عمرها. تعتبر نموذجا لعاملات الجنس الرخيص. ترددت كثيرا في الكلام  والبوح. وقبلت بالكلام على مضض: «ودابا خصك تخلصني! هاد الوقت اللي كيضيع على من نحسبوه؟»، قالت بنبرة لا تخلو من البراغماتية.

لم تشرع في الكلام إلا بعد أن أمسكت بورقة نقدية من فئة 100درهم، بسرعة أخفتها داخل حمالة صدرها، ارتشفت كوبا من الحليب الساخن، ثم انطلقت تحكي: «ست سنين أو أنا خدامة فهاد الدومين، الله يعفو ويتوب علينا!». كانت تعيش حياة عادية كأي فتاة في سنها، إلى أن أرغمتها الظروف بوصفها البنت الكبرى على العمل في حقول البطاطس والطماطم ببني ملال بعد موت الأب. ربطت علاقة حب مع أحد الشبان، اتفقا على الزواج، ورأت فيه الفارس الذي سيخطفها من براثن الفقر، ويغنيها عن العمل الساعات الطوال في الحقول من أجل دراهم معدودات لا تكاد تسعف في تلبية حاجيات أسرتها. كان لا بد من بعض القبل البريئة والمداعبات كتوابل لعلاقة الحب هاته التي جمعت «هيام» بخليلها، قبل أن يفتض بكارتها، ويختفي عن الأنظار، لتتجرع مرارة الفقدان والإحساس بالخذلان.

تقدم لخطبتها ابن عمها، عارضت وفضل الهرب إلى الدار البيضاء على الفضيحة. استقرت في البيضاء، وكانت مجبرة على امتهان الدعارة، لتلبية قوتها اليومي، وتورطت في المهنة رغما عنها:«معندي لا صنعة لا حرفة؟ آش غندير!» تبرر «هيام» نشاطها، الذي يدر عليها يوميا ما بين 200 إلى 400 درهم يوميا، وقد يصل المبلغ إلى 500 درهم في أحسن الأحوال تستثمره في تلبية مصاريف السكن والأكل والملبس، إذ من الضروري أن تستثمر هيام  شيئا من مدخولها لتحسين «اللوك» لجلب أكبر عدد من الزبناء، وإبعاد الشكوك عن نشاطها، مخافة الحملات الأمنية.

المغرب .. أحبه موت؟!

كل صورة تذيل بالعديد من التعليقات تخطها أنامل الذكور والإناث بلغات مركبة، ولهجات عربية مختلفة. لا تخلو الصفحة من عبارات الاستفزاز والسخرية من طريقة استلقاء الشابة الرشيقة التي تتصنع دور بطلة إغراء بلباسها الداخلي المثير على سرير نومها. تتعدد التعليقات الحابلة بعبارات التحرش وإظهار الإعجاب بالتضاريس الجسدية الظاهرة. يظهر الولوج لصفحة الشابة أنها محبوبة بشكل كبير. يُدخلك الإنجراف خلف البحث ضمن لائحة الأصدقاء ضمن شبكة من العلاقات التي تمكن الشابة من المتاجرة بجسدها الفاتن. إطلالة سريعة على لائحة الأصدقاء، تكفي بأن تعرف أن أغلبهم من جنسيات خليجية. بعض المعلقين وضعوا أرقام هواتفهم الشخصية على أمل الاتصال بهم.

جولة أخرى على غرفة دردشة صوتية. أصوات خشنة بلكنة خليجية، سرعان ما تتسلل إلى عباراتها كلمات ترحيب حار، «آه المغرب .. أحبه موت»، ينطلق صوت أحدهم معلقا على هوية بلد مخاطبه. البحث عن مغزى عبارت الترحيب الجارفة، يجعل المرء يستلم “لينك” خاص. الإبحار وراءه يكفي لجعل المرء يتابع بعينيه، صورا توثق لرحلات الخليجي إلى المغرب. صور تحمل تواريخ خاصة تعود لسنوات 2007 و 2008 و 2011.

في إحدى تلك الصور يظهر من خلالها الخليجي، وهو منهمك في بعثرة أوراق مالية من فئة الدولار والأورو على راقصة بمطعم تابع لفندق مصنف. الصورة الموالية تضم الراقصة بنفس لباسها المثير. هذه المرة كانت مع الخليجي لوحدهما في غرفة وردية اللون. «راقصة قضيت معها ثلاثة أيام، عرفني عليها صديق مغربي من مدينة الجديدة»، يشير التعليق الذي يؤرخ للصورة.

في تعليق آخر، يشير الخليجي إلى تفاصيل رحلاته السابقة إلى المغرب. من بينها صورة له مع صاحب سيارة أجرة، كانت ملامح وجهه غير ظاهرة مثل الصورة الخاصة بالراقصة، حيث وضع الخليجي تحتها تعليقا مقتضبا عما أسماه رحلات “السياحة الخاصة” بالمغرب الشقيق. وهي الرحلات التي جعلت من المغرب في الآونة الأخيرة قبلة مفضلة لبعض «الأشقاء العرب» الساعين وراء المتعة واللذة رغم الحوادث التي انتهت أخيرا بضبط بعضهم متلبسين بممارسة الجنس مع مغربيات، وإحالتهم أمام المحاكم.

هل يمكن الحديث هنا عن سياحة جنسية حقيقية؟ الجواب يأتي على لسان علي الشعباني أستاذ علم الاجتماع: «السياحة الجنسية كلمة متداولة إعلاميا، ولا تعترف بها الدولة رغم وجودها، فوزارة السياحة تقحم هذا النشاط السياحي في إطار الرواج السياحي العام، كغيره من الأنماط السياحية، كالثقافية والجبلية، أو زيارة المتاحف والإطلاع على المآثر التاريخية. لذلك من الصعب الحديث عن السياحة الجنسية في المغرب كقطاع اقتصادي مهيكل ومعروف. رغم أن الكل يعرف أن المغرب أصبح ملاذا للسياحة الجنسية من بلدان عربية وأروبية».

من عامل جنس إلى وسيط

مجموعات متفرقة من المثليين جنسيا، تفصل بين الواحدة والأخرى أمتار قليلة، يعرضون مؤخراتهم دون وجل أو خجل، لمن يبحثون عن إشباع نزواتهم الجنسية. الزبائن يعرفون هذه الأمكنة جيدا، يأتون بسياراتهم بحثا عن الشريك المناسب حسب الأذواق والاختيارات، حيث تشتد المنافسة بين أصحاب البضاعة حسب المؤهلات المعروضة.

يشيرون لكل من بادلهم النظرة بإشارة إيحائية، بشكل محتشم في البداية، أما إمعان النظر، فهذا دليل بالنسبة إليهم على أنك زبون محتمل، فيشرع الواحد منهم حينها في المشي بتغنج ودلال في استعراض واضح لمفاتنهم التي تجعل المرء يتصور أنهم عاملات جنس، قبل أن يتفاجأ بأن الأمر يتعلق بمثليين أصبحوا ظاهريا أشبه بالنساء، بسبب الإدمان على هرمونات خاصة. كلما اشتدت المنافسة وكثر العرض، يضطرون إلى رفع تنانيرهم ومفاجأة الملأ بمؤخراتهم العارية  في مشهد غريب ومثير للدهشة، حتى يتمكنوا من الظفر بزبون.

من بين هؤلاء سمير الذي يناديه رفقاؤه من المثليين بسميرة. شاب في مقتبل العمر، فارع الطول، ممتلىء الجسم، يحاكي بمشيته أكثر النساء غنجا ودلالا.

ربط صداقات قوية مع مرتادي هذه الأماكن المعتمة التي لا تبوح بأسرارها إلا خلال ساعات الليل. يقول إنه يعرف حاجة الزبائن ويلبيها بكل أريحية، رغم أن المهنة لا تخلو في غالب الأحيان من منافسة شرسة وقوية. لا يضع نصب عينيه غير الظفر بأكبر عدد من الزبائن والحصول على مقابل مادي يصل إلى 100 درهم نظير كل اتصال جنسي.

«عندي عشيقان أعاشرهما باستمرار، كلما هاتفني أحدهما، أتنقل لمسكنه الخاص أو أذهب برفقته من أجل مجالسته في لياليه الحمراء» يقول سمير.

تجربته الأولى في احتراف العمالة الجنسية مع الذكور بمقابل مادي، كانت مع مشغله، ليقرر بعد ذلك توسيع دائرة علاقاته عبر الجلوس ليلا في أحد المقاهي المعروفة بتردد المثليين، قبل أن يشرع في ربط صداقات خاصة معهم، والقيام بجولات ليلية رفقتهم في الشوارع المجاورة.

هناك عاين للمرة الأولى أشخاص يمتهنون العمالة الجنسية الرجالية الرخيصة. لم يمر وقت طويل حتى أصبح عنصرا فاعلا في الفريق وواحدا من وجوهه المألوفة والمعروفة. صار خبيرا متضلعا في تقديم خدمات جنسية مقابل دخل محترم يصعب الحصول عليه في مهن أخرى. كما أصبح وسيطا، يصادف بعض زبناء اللذة، ويقوم بجلب عاملات جنس لهم لقاء مبالغ مالية تتراوح ما بين 50 درهم و100. تتضاعف عمولته، خاصة إذا حالفه الحظ في العثور على زبون خليجي أو مشرقي أو أوروبي.

ودع سمير عالم الدعارة الرخيصة واستقل بحياته بفضل المداخيل المالية، التي راكمها، بعد اقتطاع مصاريف الأكل والملبس وفاتورة الهاتف وبعض الكماليات التي لم يكن يستطيع الوصول إليها. استطاع أن يشترك مع صديق له في صالون للحلاقة، قاما بتجهيزه، ومن هنا تطور دخله، حيث تعرف على بعض عاملات الجنس اللواتي يقصدن صالون الحلاقة. تحفل ذاكرة هاتفه بالعديد من أرقام هواتف عاملات الجنس، تختلف الفئة الاجتماعية اللائي ينتمين إليها. «كاينا لي كتصرف على دار من هاذ الشي، الله يعفو علينا» تنهد بعمق وغاب بفكره بعيدا.

مرافقون قاصرون للجنسين الثالث واللطيف

من بين فرص الشغل التي طغت على مشهد الخدمات الإلكترونية الجنسية وظيفة مرافق (ة). صفحات إعلانية إلكترونية غريبة في مواقع التواصل الإجتماعي، من بينها إعلان لشاب مغربي عرف بنفسه قائلا: “اسمي جنان، أبلغ من العمر 18 سنة، أشتغل مرافق محترف ومستقل، ليس لدي مواصفات محددة، لكن لا أرافق أيا كان!” ويضيف: “مبادئي .. أسمع، أحترم خصوصية الطرف الآخر، أحافظ على سرية هوية الآخر، هدفي راحة زبائني”. دردشة خفيفة مع الشاب، تجعل المرء يتعرف بسهولة على المقابل المالي المقترح من أجل الإستفادة من خدماته : خدمة لساعة واحدة بـ600 درهم، و 400 درهم لساعة إضافية. أما بالنسبة إلى سهر ما بعد الساعة التاسعة ليلا، فالمقابل 1200 درهم. يختم الشاب إعلانه بعبارة لا تقل غرابة عن إعلانه، «خدمات أخرى يمكن التفاوض بشأنها».

إضافة إلى الإعلانات المغلفة التي تحمل في طياتها اقتراحات بتقديم خدمات جنسية على ذوق الطرف الآخر. اكتسحت مواقع التواصل الاجتماعي صفحات جديدة، باتت تعلن عن نفسها وبصراحة كبيرة. تضع أرقام هواتفها دون حرج. الأمر يتعلق بمجموعة من القاصرين على أهبة الاستعداد لتقديم خدمات جنسية مقابل أجر مادي.

بعض تلك الإعلانات أصبحت تحيل على عروض تخص مراهقين من نوع خاص. فيديوهات لمرافقين مثليين ببنياتهم النحيفة، وعيونهم المشرقة، وأجسادهم المتناسقة والجذابة، يجيدون التحدث باللغات الأجنبية، والمقابل الذي يفرضونه قصد تلبية خدمات الزبائن المحتملين مبالغ مالية بالعملة الصعبة. يقدمون خدماتهم مع التركيز على إثبات ميولاتهم الجنسية المثلية، متغلبين في الوقت ذاته على عقدة الخوف ولو من وراء الجدران الإسمنتية الجامدة، وشاشات الحواسيب. في غالب الأحيان يمارسون عملهم الأساسي وسط تكتم شديد، وبطرق خاصة بعيدا عن دائرة الفضوليين. بعضم يوشم حواجبه كالنساء. يرتدون سراويل «جينز» ضيقة، وقمصان خفيفة فاتحة اللون. يتخذون من العلب الليلية مسرحا لتقديم خدمات جنسية بتسعيرات محددة تتجاوز سقف الـ 500 درهم نظير الاتصال الجنسي الواحد.

سوسو يضع على حسابه الخاص عبارة مرافق خاص. من خلال الصورة المفتوحة في وجه العموم. يظهر بحواجبه المزججة. يرتدي سروال قصير وردي اللون، وقميص شفاف تظهر من بين ثناياه حمالة صدر. يجلس رفقة رجل بسحنة أروبية. حسابه يحفل بالعديد من الصور الخاصة، وكأنه في تحد صريح للمصير الذي رسمه له القدر. بعض التعليقات الخاصة به، توحي للمرء أنه أمام شخص لا تهمه الأحكام الجاهزة للآخر، «الله خلقني بهاذ الشكل .. وزيدون هذا راه طرف ديال الخبز».

بعيدا عن مفارق ومتاهات حياته الليلية، التي تتخلص في التقلب بين أحضان الرجال، وسيل الإهانات المسترسلة في الشارع العام خلال ساعات الليل والنهار، يصارع سوسو كل المشاهد المحرجة والكلمات الجارحة، والاتهامات البغيضة في سبيل استقراره النفسي والمادي كما يقول «لا أميز الأشياء إن كانت خاطئة أم صائبة، مايهمني أن أعيش حياتي، أنا غير مسؤول عن شكلي الذي يستهجنه الناس»، ويردف قائلا : «راه طرف ديال الخبز هذا .. شكون غادي يعطيني مليون ونص في الشهر!».

العقار في خدمة الجنس !

«شقة مفروشة ومجهزة للكراء، مساحتها 50 مترا مربعا، إقامة محروسة، لمدة قصيرة أو طويلة»، إعلان من جملة إعلانات تحفل بها بعض المواقع بالشبكة العنكبوتية، عن شقق و«كابانوات»، و «ستوديوهات»، يكتريها زبناء المتعة الجنسية، لمدد مختلفة أقلها 6 ساعات، بمبالغ مالية تتراوح ما بين 250 و 1200 درهم لليلة الواحدة.

تنتشر هذه الشقق في الأحياء الراقية بالدار البيضاء، وعلى شريطها الساحلي، بطاماريس، المحمدية، وبوزنيقة. زبناؤها من طينة خاصة، أغلبهم شباب عزاب، يمارسون فيها حياتهم الجنسية بكل أريحية. المتزوجون وبعض الكهول أيضا، بدورهم قد يقصدونها من أجل خوض غمار مغامرة جنسية عابرة بعيدا عن بيت الزوجية، وأعين المعارف والأصدقاء.

ملاك هاته الفضاءات، يعرفون طوية كل من يقصد كراء شققهم، وعلى علم مسبق بكون الشقة ستحتضن ليلة حمراء، حيث يشترطون على المكتري أن يزودهم ببطاقته الوطنية، وثمن الكراء بعد أن يطمئنوا إليه، خاصة إذا كان ذا مكانة مرموقة، لن يستبب لهم في «الشوهة»، أو يزعج السكان المجاورين. المهم هو أن يكون الزبون ملتزما بالسرية وأن يكون مقامه بالشقة كعدمه، على أن يسلم مفتاح الشقة في الآجل المحدد.

القليل من ملاك هاته الشقق من يقوم بمواجهة زبناء اللذة العابرة هاته، والتعامل معهم مباشرة، بل يعهدون بهذه المهمة إلى حارس العقار أو “الكونسييرج” الذي يتكفل بعملية الكراء، وتسليمهم مداخيلها. حارس سابق لفيلا بإحدى المدن الشاطئية القريبة من البيضاء، اعترف أن بعض الحراس يتواطؤون مع وسطاء الدعارة المنظمة في تسهيل عملياتهم داخل الفضاءات السياحية أو الإقامات السكنية في الشريط الساحلي.

«في الكثير من الأحيان، يجد الحارس نفسه مجبرا على قبول العرض، وإلا وجد نفسه في اليوم الموالي عاطلا عن العمل. شيء طبيعي، أن يقبل شخص معدم بدخل إضافي يقيه عوادي الزمن»، يقول الحارس، ويستطرد «بعد المرات كتلقى راسك رابح 70 أو 100 درهم بلاما تبذل حتى مجهود .. واش غادي تصورها في النهار». إضافة إلى تسهيل مهام وسطاء الدعارة، اكتسب بعض الحراس تجربة الوساطة ليصبحوا وسطاء على معرفة بأدبيات الخدمات الجنسية العابرة.

هل يوجد اقتصاد للجنس بالمغرب؟!

«هو أشبه بنشاط تجاري سري تمارسه عصابات منظمة، لأنه يعتمد على ممارسات تتم في الخفاء. إن شئنا القول فهو اقتصاد خفي، مادامت الدعارة غير مصرح بها من الناحية القانونية، تتم في الخفاء، وغير مسموح بها أخلاقيا، نحن نعرف أن التعاطي للدعارة، وتقديم الخدمات الجنسية منتشر، وزبائن اللذة موجودون، لكن يصعب علينا إعطاء أرقام ومعطيات دقيقة جدا عن مدى فاعلية هذا القطاع الاقتصادي المفترض، ورقم معاملاته وأرباح أطرافه، والمستثمرين فيه، لأنها معطيات يتم تداولها في السر»، يقول أستاذ علم الاجتماع علي الشعباني.

ويردف قائلا : «بعض الممارسات يمكن تصنيفها في خانة التعاطي للبغاء، وتبقى بعيدة كل البعد عن النشاط التجاري المهيكل. خاصة وأن السلطات لا تعترف بها، كما أنها عادات وممارسات مرفوضة بسبب مسها بالقيم الأخلاقية التي تؤطر العلاقات داخل المجتمع المغربي»، ويستطرد «الحديث في الوضعية الراهنة عن عالم الدعارة والخدمات الجنسية كقطاع اقتصادي مهيكل ومتكامل في المغرب يبقى كلاما بعيدا عما نرصده على أرض الواقع.

حينما تكون هوية المستثمرين في مجال الخدمات الجنسية معروفة. إضافة إلى رصد معطيات وإحصائيات دقيقة عن هذا الحقل الاقتصادي. زيادة على تمكين الدولة من ضرائبها من أرباح الفاعلين في القطاع. أنذاك، يمكننا الحديث عن وجود اقتصاد للجنس في المغرب»، يقول علي الشعباني.

محمد كريم كفال / أنس بن الضيف

عذراً التعليقات مغلقة