الأمازيغية لنا لا لغيرنا

سوس بلوس
اراء ومواقف
12 نوفمبر 2012
الأمازيغية لنا لا لغيرنا

أخذ الكثير من الناس يرددون بأن اللغة والثقافة الأمازيغية مصدر ورافد ومكون مركزي وأساسي للهوية المغربية، وانطلاقا من ذلك وجب أن لا تتخذها جهة معينة أو شخص معين صهوة للمزايدة والإحتكار والمتاجرة الخ. ومثل هذه المقولات المتناقضة، يؤسس في الحقيقة لوجهات نظر غاية في التبسيط والتبخيس. لأن الذين يرددونها، عن سوء أو حسن نية، يقومون بتحنيط المغالطات التي قد يستهلكها جمهور معين من التابعين وتابعي التابعين. وستقوم بتأدية دورها في تعميق أزمة الأمازيغية والديموقراطية والمواطنة على حد سواء.

        هذا النوع من المقولات كان وليد السياق الراهن الذي عرف نوعا من الإنفراج النسبي في مسألة التنوع اللغوي والثقافي في كنف الدولة المغربية المعاصرة. ومن الملاحظ أن جل الذين يرددون هذا الكلام لا يربطونه أبدا بسياقه التاريخي والرمزي، ولا بالجهات التي كانت السباقة إلى إثارته والعمل على التعريف به والنضال من أجل ترسيخه. فعادة ما يتناول هذا الموضوع ليس من أجل ترسيخ مبدأ التعددية الثقافية والهوياتية بالمغرب، ولكن من أجل سحب البساط تحت الذين حملوا هذا الهم ودافعوا عنه، وكانوا سببا في أن تحطيم أسطورة الهوية العربية الوحيدة للدولة المغربية.

فالقول بأن الدولة المغربية دولة للتعدد والإختلاف في إطار الوحدة وبالتالي اعتبار الأمازيغية لغة وثقافة صلبا للهوية المغربية المتعددة، ليس وليد الصدفة، ولكنه كان ولا زال أحد أهم مبادئ الحركة الأمازيغية بالمغرب منذ أواسط ستينيات القرن الماضي، وهي التي ساهمت في دفعه نحو حلبة النقاش العمومي في الوقت الذي كانت فيه هذه المقولات عنوانا للتخوين والسجن والعقاب والتفرقة والعمالة.

لقد كانت الحركة الأمازيغية ومناضلوها وبعض الديموقراطيين  يواجهون أسطورة الوحدة والقومية العربية التي كانت متأججة في ذلك الوقت بواسطة مفاهيم التعدد والإختلاف الذي يجب أن يكون السمة المميزة للدولة المغربية العصرية. و كان المثقفون المغاربة العروبيون إبان ذلك يستميتون من أجل صنع مغرب عربي عبر الإستيراد و الإستهلاك المفرط للأفكار القومية العربية المشرقية. فصارعوا الزمن من أجل “القتل السريع للهجات البربرية” و “جلاء البربر” كما تم “جلاء الفرنسيس”.

ومن السهل عقد مقارنة بسيطة بين كتابات مناضلي ومناضلات الحركة الأمازيغية وكتابات مناضلي ومناضلات القومية العربية في تلك الفترة وما بعدها لنتبين بوضوح بأن مقولة تعدد الهوية المغربية وتعدد روافدها إبداع ديموقراطي أمازيغي في التاريخ السياسي المغربي المعاصر. ويجب على الذين يتناولون هذا الموضوع أن يتحلوا بقليل من الموضوعية والأريحية الأخلاقية ليقولوا ذلك لجمهور القراء، عوض التبجح بالدفاع عنها لمواجهة الذين كانوا سببا في تلقينها للمغاربة منذ فجر الإستقلال.

عندما تم الإعتراف الرسمي بأن المغرب دولة متعددة تعددا تتوسطه الأمازيغية لغة وثقافة وقيما، بروافد متنوعة ومتناغمة، سارع مجموعة من فلول القومية العربية الأصولية إلى مهاجمة حاملي هذا المشروع لأن هذا الإعتراف في حقيقة الأمر إعلان صريح عن موت المشروع القومي العربي الشمولي والإقصائي بالمغرب، وانتصار للقيم الديموقراطية التي لا يمكن أن تستقيم من دون استلهام أسباب التعدد وتدبير الإختلاف، قدر الإنسانية ومصيرها المشرق.

كتب العديد من الذين لحقتهم رياح التغيير الديموقراطي بغتة بأن الأمازيغية ملك لجميع المغاربة ولا يجب أن تكون حكرا على أحد. وهم بذلك يكتبون ما يجهلون ويزايدون على أنفسهم وعلى غيرهم بما ليس حقا. صحيح أن الحركة الديموقراطية الأمازيغية هي السباقة إلى طرح المسألة القضية منذ الستينيات، وهي التي دافعت عنها باستماتة حتى اليوم وماضية في هذا الأمر إلى الأبد، ولكنها لم تقل أبدا بأن قضيتهم قضية أمازيغية أمازيغية، أو قضية أمازيغية عربية، أو أمازيغية كردية… ولكن جميع الوثائق الصادرة عن التنظيمات الديموقراطية الأمازيغية منذ الكتابات الأولى للنخب الأمازيغية المثقفة مرورا بميثاق أكادير إلى بيان الأستاذ شفيق إلى اليوم ظلت تؤكد دوما بأن الأمازيغية ملك لجميع المغاربة لأنها قضية ديموقراطية وليست عرقية، ولهذا نادت بتعميم تدريسها على جميع المغاربة وليس فقط على الناطقين بالأمازيغية. وكتب الكثير من الأمازيغ بأن المغرب دولة أمازيغية الأرض متعددة اللسان فاتهموا بإحياء الظهير البربري والعمالة للإستعمار وخلق أسباب الفتنة الخ.

ولكن العكس هو الذي كان يحصل دوما، فالمثقفون العروبيون المتطرفون والمعتدلون والإسلاميون واليساريون والليبراليون وتنظيماتهم السياسية والجمعوية المدنية لم تكن تقبل أبدا بأن تكون الأمازيغية لغة وثقافة قضية وطنية تهم الجميع، وظلوا يعتبرونها قضية أمازيغية أمازيغية. ولذلك كرهوا مبدأ تعميم تدريسها وإجباريته.

اللغة والثقافة والقيم الأمازيغية، قضية وطنية تهم الجميع في دولة المواطنة. ولا يمكن أن يحتكرها شخص أو أشخاص أو تنظيم، تماما كالقضايا الوطنية الأخرى، كقضية المرأة على سبيل المثال: فهل يمكن أن تناضل المنظمات النسائية من أجل أن تكون قضيتهن قضية خاصة بهن؟ هذا غير صحيح وغير ممكن، لأن قضية المرأة قضية مرتبطة بدولة المواطنة. المرأة مواطنة تعيش جنبا إلى جنب مع الرجل المواطن على حد سواء. الأمازيغية أيضا قضية وطنية مرتبطة بالمواطنة، لأن المواطن المغربي مواطن أمازيغي و عربي و… والجميع مواطنون مغاربة يجب أن يتمتعوا كلهم بالحقوق التي تكفلها في كنف دولة المواطنة العصرية. هذا هو الخيار الديموقراطي الأصوب.

عذراً التعليقات مغلقة