هوليوود بين الخيال والواقع

اراء ومواقف
سوس بلوس11 أغسطس 2019آخر تحديث : منذ أسبوعين
هوليوود بين الخيال والواقع
رابط مختصر
وقف الجمهور الذي غصت به الصالة في مهرجان “كان” السينمائي الشهير على الأقدام مصفقا بحرارة لمدة سبع دقائق بعد انتهاء عرض فيلم كوينتين تارانتينو الجديد “حدث ذات مرة في هوليوود” (2019).
ليست الجوائز نادرة في سيرة تارانتينو، فقد سبق أن نال أوسكارين عن أفضل نص سينمائي عن فيلميه “روايات رخيصة” و”دجانغو طليقا”، كما نال “سعفة كان الذهبية” أيضا عن فيلمه “روايات رخيصة” (1994).
يعتبر فيلم تارانتينو الجديد “حدث ذات مرة في هوليوود” إنجازا فريدا من نوعه يضاف إلى سجله الحافل، فدافعه لصنع الفيلم ينبع من حنين قوي إلى الحقبة الذهبية في لوس أنجلوس، والمتراوحة ـ حسب قول بعض النقاد ـ بين الماضي الذي يمثله ألفريد هتشكوك والمستقبل الذي يمثله ستيفن سبيلبرغ.
من الواضح أن تارانتينو أراد توجيه تحية إلى مخرج أفلام “السباغيتي وسترن” الأشهر سيرجيو ليوني
لا أحد يستطيع الجزم فيما إذا كان “حدث ذات مرة في هوليوود” سينتزع بعض جوائز أوسكار وغولدن غلوب وبافتا، كما عودنا مخرجه من قبل، لكن مما لا شك فيه أن الفيلم سيرشح لها، ذلك لأنه فريد الطراز والأسلوب حتى بين أفلام تارانتينو نفسه، إذ يمزج فيه شخصيات خيالية بشخصيات حقيقية عاشت وبرزت في عالم هوليوود السينمائي في العام 1969، الذي اختاره المؤلف/المخرج زمنا لفيلمه.
ذات ليلة من أغسطس 1969 وقعت الجريمة البشعة التي ضج بها الرأي العام آنذاك، وهي اقتحام أربعة من مريدي تشارلز مانسون الهيبيين منزل المخرج رومان بولانسكي وقتلهم زوجته الممثلة شارون تيت الحامل في شهرها الثامن مع ثلة من أصدقائها المقربين.
قام تارانتينو بتحوير القصة وجعلها تجري مع بطلي فيلمه في منزل مجاور لمنزل بولانسكي وزوجته. هذان البطلان عبارة عن ممثل مسلسل وسترن تلفزيوني بدأ نجمه يذوي، وصديقه الذي يؤدي المشاهد الخطرة بديلا عنه ويعمل سائقا له بسبب إدمانه على الكحول.
لم يكن هناك في الحقيقة مسلسل وسترن بالأسود والأبيض يحمل عنوان “قانون صائد المكافآت”،وإن شابه طرازه مسلسل “مطلوب حيا أو ميتا” من بطولة ستيف ماكوين، الذي تظهر شخصيته في سياق الفيلم. بينما تخبو الأضواء عن ريك دالتون (ليوناردو ديكابريو)،تلوح له فرصتان للخروج من مأزقه.
تأتي الفرصة الأولى عندما يفاوضه منتج (آل باشينو) معجب بتاريخه الفني في مسلسل الوسترن وبدور لعبه في فيلم ضد النازية، (ربما هو نسخة مبالغة وتجارية الطراز عن فيلم تارانتينو “سفلة مأجورون”،) مقنعا إياه بتصوير فيلم تجاري في إيطاليا من طراز “سباغيتي وسترن”،الذي شاع في أواسط ستينيات القرن العشرين.
أما الفرصة الثانية،فتأتيه عندما يعرض عليه منتج آخر لعب دور الشرير في مسلسل وسترن تلفزيوني جديد بدل أدوار البطولة.
يخوض ريك دالتون مكرها التجربتين. يبدأ متعثرا في المسلسل التلفزيوني بسبب إدمانه ورثائه لنفسه، بحيث ينسى أجزاء من حواره. يغضب من فشله، وتحرضه طفلة صغيرة تشاركه الأداء، فإذا به يقدم مشهدا فريدا بأداء حار وصادق لشخصية الشرير، يهرع بعده المخرج والمنتج لتهنئته بحرارة، بينما تهمس له الطفلة الجادة التي تلتزم بالمنهج الأميركي في التمثيل: “هذا أفضل أداء شاهدته في حياتي”.
يشارك ريك دالتون في إيطاليا بفيلم تجاري فاشل من طراز السباغيتي وسترن، لكنه يعود إلى بيته متزوجا من إيطالية، ليصارح بديله كليف بوث (براد بيت) أنه سيضطر لبيع بيته والانتقال للعيش في شقة صغيرة بسبب أفول نجمه ودخله المتواضع.
يقع بيت ريك دالتون، بالصدفة، إلى جوار منزل المخرج رومان بولانسكي، الذي اشتهر آنذاك بفيلم الرعب “طفل روزماري” (1968)، وزوجته الحسناء شارون تيت (مارغوت روبي). يدنو ذات ليلة تشارلز مانسون من بيت بولانسكي زاعما أنه يبحث عن صديق قديم. بالصدفة المحضة، خلال قيام صديق النجم وبديله بإصلاح هوائي التلفزيون، يلوح له تشارلز مانسون عن بعد. نتعرف أكثر على شخصية كليف بوث، فهو رياضي يتمكن من مواجهة بروس لي في كواليس أحد الاستوديوهات ندا لند حين يتبجح بقدرته على هزيمة الملاكم الأسطوري محمد علي.
ثم نراه يتطوع ذات يوم لإيصال مراهقة هيبية إلى الموقع النائي الذي تقيم فيه مع عديد من مريدات ومريدي تشارلز مانسون.
يتذكر كليف فجأة أنه كان يصور حلقات مسلسل الوسترن في المكان نفسه، فيصر على مقابلة مالكه العجوز (بروس ديرن)،ويقتحم حجرته رغما عن الهيبيات، محاولا تذكيره بنفسه دون فائدة،إذ يكتشف أن العجوز مصاب بالعمى.
حين يهم كليف بالانصراف، يجد خنجرا في عجلة سيارته، فيضرب المدمن الذي فعل ذلك ضربا مبرحا ليرغمه على تبديلها بالعجلة الاحتياطية،وينطلق بسيارته مبتعدا عن المكان قبل أن يدركه فارس هيبي شاب تستنجد به الفتيات.
بالرغم من توثيق الأحداث بالأيام والشهور وظهور شخصيات حقيقية عاشت واشتهرت في عام 1969،يعمد كوينتين ترانتينو إلى تغيير جذري في نهاية الفيلم، مستبدلا الواقع بالخيال.
في الليلة الشهيرة لمصرع شارون تيت بست عشرة طعنة مع ثلة من أصدقائها على أيدي أربعة هيبيين من جماعة تشارلز مانسون، يصور تارانتينو ثلاثة منهم فقط يقتحمون بيت ريك دالتون، بينما تنسحب واحدة منهم هاربة. يواجه الثلاثة كليف بوث الثمل والمنتشي بسيكارة حشيش. تنشب معركة عنيفة يتمكن فيها كليف من قتل اثنين من المهاجمين رغم إصابته بجراح بليغة، بينما تقفز الثالثة جريحة في المسبح ملوحة بخنجر وهي تصرخ بجنون، فيفزع ريك دالتون المسترخي على طوف مطاطي منصتا إلى الموسيقا، ويهرع ليجلب الرشاش الناري الذي احتفظ ذكرى لفيلمه الحربي ضد النازية، ويحرقها بلهيبه.
الفليم فريد الطراز والأسلوب حتى بين أفلام تارانتينو نفسه
ينتهي الفيلم بوداع ريك لصديقه كليف وهو ينقل مثخنا بالجراح إلى المستشفى. يعود باتجاه منزله، وإذا به يقابل أحد أصدقاء شارون تيت المستطلع بفضول ما يجرى، وتتكلم شارون معه عبر الإنترفون لتدعوه إلى الفيلا وتستقبله بترحاب، فيشعر الممثل الآفل ريك دالتون لأول مرة منذ عهد بعيد بالأمل من ولوجه عالم المشاهير في هوليوود.
من الواضح أن تارانتينو أراد توجيه تحية إلى مخرج أفلام “السباغيتي وسترن” الأشهر سيرجيو ليوني عبر عنوان فيلمه، لأن فيلمين شهيرين لليوني حملا عنواني “حدث ذات مرة في الغرب” و”حدث ذات مرة في أميركا”.
أما المخرج الفرنسي جان-لوك غودار، فلا شك أنه كان ملهما رائدا للأسلوب الذي انتهجه بعده بسنين عديدة، وإن اتسم فيلماه “اللاهث” و”بييرو المجنون” بأنهما أكثر نزعة فلسفية من أفلام تارانتينو التسعة الشهيرة: “كلاب المستودع”، “روايات رخيصة”، “اقتل بيل” بجزئية الأول والثاني، “مدينة الخطيئة”، “قتلة بالفطرة”، “الحاقدون الثمانية”، وفيلمه الأشهر “دجانغو طليقا”، فضلا عن فيلمه الجديد “حدث ذات مرة في هوليوود”.
ربما خيب فيلم “حدث ذات مرة في هوليوود” آمال جزء لا يستهان به من الجمهور، وإن نال إعجاب غالبية النقاد. نعزو السبب إلى أن حبكة الفيلم بدت متقطعة، وعلاقات شخصياته ببعضها متقلبة، نستثني من ذلك نسبيا الشخصيتين المحوريتين اللتين لعبهما باقتدار وتناغم شديدين ليوناردو ديكابريو وبراد بيت. يمكن أن تواجه مأساة أفول نجم من طراز ريك دالتون أي نجم حقيقي من نجوم مسلسلات الوسترن المشهورة، مثل “بونانزا” و”دخان المسدسات”. لكن، رغم براعة نص السيناريو في الإقناع بمصداقية الشخصيات والأحداث الافتراضية، ورغم نجاحه التام في مزج المتخيل بالواقعي، فإن أحداث ومواقف الفيلم نادرا ما تلامس شغاف القلب، بل نراها تفتقد إلى العاطفة في فيلم يفترض أنه نابع من حنين جارف إلى نهاية تلك الحقبة الذهبية من تاريخ هوليوود.
ربما كانت تلك نقطة الضعف الأساسية في فيلم كبير تمتع بإقناع ومصداقية كبيرتين حتى عندما حوَّر الوقائع.
رياض عصمت

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.